آراء وترجمات

مواقف ومحطّات

أبناءُ الاستبدادَين الدينيّ والمدنيّ، في صحراء الأمّة العربيّة، يعرفون، أكثر من غيرهم، أنّ الطاغية المستبدّ هو الذي لا يتحمّل، بأيّ شكل من الأشكال، أن يكون أحدٌ سعيداً ولو للحظة واحدة في حياته.

مُدهشة رؤية أعمال هيرونيموس بوش في “قصر دوكالي” في مدينة البندقيّة. فهي، هنا، لها وَقَع خاصّ. أربعة أعمال فقط، كلّ تفصيل منها لوحة، وكلّ لوحة معرض قائم بذاته.

هيرونيموس بوش، أو جيروم بوش كما اعتدنا على تسميته، رسمَ الأحلام والمُسوخ كما لم يرسمها أحد قَبلاً، وتخيّل الجحيم، مستوحياً من الجحيم الأرضيّ بالطّبع، مثلما فعل المعرّي في “رسالة الغفران” ودانتي في كوميدياه الإلهيّة…

لا يمرّ الوقت في البندقيّة (خصوصاً في الزوايا التي لا يقصدها السيّاح)

كما يمرّ في بقيّة المدن الأخرى. ولا تعرف، في هذه المدينة، من أين يأتي الضوء المَصحوب بالموسيقى، وإلى أين يمضي…

صباح اليوم، التقيتُ رامبو في مكتبة قديمة داخل “غاليري فيفيان”، وفي هذا اللقاء أفشى لي “العابر الهائل بنِعال من ريح” سرَّ صمته وتوقُّفه عن الكتابة وسفره إلى الشرق حيث تاجر بالبنّ والسلاح والعبيد.

قال: قرّرتُ أن أصمت وأمضي في سُبُل أخرى، عندما أدركتُ أنّنا سنكون، كلّيّاً، في خدمة الاقتصاد لا العكس، وأنّ كل شيء، على الأرض كما في السماء ، سيدور في فَلَك المال: البشر والحيوانات والطبيعة والبيئة والفنون والعلوم والمَشاعر.

كلّ شيء سيكون مُسَخَّراً لخدمة الملك الأوحد…

تحضر المأساة السوريّة بقوّة في أعمال أسعد عرابي الأخيرة المعروضة في باريس. بألوان زاهية يرسمها، كأنّه يغنّيها كما تغنّي أمّهات الأبناء القتلى. بالأخضر والأزرق والأحمر والأصفر يغنّيها، بقوس قُزَح بألف لون وبالأسود الفاحِم، لكن من دون أن تسقط اللوحة في نبرة تراجيديّة أو في غنائيّة رومنسيّة كئيبة.

يقول مارسيل بروست إنّ « اللوحات الفنّيّة هي نوع آخر من المرايا « . إنها المرايا التي تفتح العين على جوانب من الواقع يتعذّر التقاطها، وتفتح العين أيضاً على الذات العميقة، ننظر إليها لنرى ما آلت إليه عيوننا وأحلامنا والأجساد التي يتهدَّدها الخراب.

ما الفرق بين علماء الدين الذين ضغطوا، بسلطتهم الدينيّة ونفوذهم الاجتماعي، على المنصور، حوالى سنة ألف، حتى تركهم يدمّرون مكتبة قرطبة التي كانت تحتوي على ثروة معرفية ضخمة، وبين هولاكو في بغداد وكيف أمر برمي الكتب والمخطوطات في دجلة؟

المشكلة أنّ ما حدث منذ عشرة قرون لا يزال يحدث ويتكرّر حتى يومنا هذا، كأنَّ الأرض، في مكان ما من هذا العالم، توقّفت عن الدوران.

في تغييب العقل وكَمّ الأفواه وفي الانقضاض الأعمى على الفكر النقدي، يتكاثر “علماء” الوهم والخُرافات المُميتة، وهؤلاء “العلماء” هم الوجه الآخر للطغيان وللاستبداد السياسي طالما أنّ الجهل والعنف توأمان.
نكرّر عبارة الشاعر الألماني هاينرخ هاينه: “حيث تُحرَق الكتب، يُحرَق البشر”.

 

عيسى مخلوف

 

 * مواقف ومحطات عيسى مخلوف من صفحته في فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق