شخصيات في أحداث

نابوليون إفريقيا .. بوكاسا آكل لحوم الأطفال

هل من الممكن أن يوجد طاغية وديكتاتور دموي على نمط العصور الوسطى، يضرب معارضيه بيديه حتى الموت، سواء كانوا رفاق “الثورة” أو تلاميذ غير قادرين على شراء الزي المدرسي الذي تنتجه مصانعه، ويكون لحم هؤلاء المساكين مكوَّناً رئيسياً في وجباته الفاخرة، ويصف رئيس فرنسا صداقته به أنها شرف؟!

هل من الممكن أن يجد هذا الطاغية السلام النفسي، ويصل تصالحه مع ذاته درجة تبرير أكل لحوم البشر، وأن يدعي أنه الحواري الثالث عشر للمسيح، وعندما يموت يقوم رئيس الجمهورية بنعيه قائلا “فقيد الأمة وإبنها وبانيها”؟.

تلك، عزيزي القارئ، تساؤلات أولية ناتجة عن قراءة سيرة الإمبراطور الأخير في أفريقيا جان بيدال بوكاسا، حاكم أفريقيا الوسطى لمدة 14 عاماً، مقسّمة بين رئيس بعد انقلاب عسكري من 1965 إلى 1972، ثم رئيس مدى الحياة من 1972 إلى 1976، ثم تنصيب نفسه إمبراطورا إلى أن تم عزله سنة 1979.

من جندي إلى رئيس الدولة

عند بلوغه سن الثامنة عشرة من العمر، انضم بوكاسا إلى الجيش الفرنسي، وخدم في الهند الصينية وحرب فيتنام الأولى، وقضى نحو 20 عاماً بعيداً عن موطنه الأصلي، وهي التجربة التي رسخت بداخله الاحساس بالاختلاف والتعالي على باقي أبناء وطنه، فكان يعتبر نفسه فرنسياً خدم في جيش فرنسا، تحت إمرة الجنرال شارل ديغول، مثله الأعلى في العسكرية والسياسة، وليس كباقي أبناء وطنه الذين لم يخوضوا تجربة السفر والاختلاط والحرب. ومن هنا اعتبر نفسه “نابوليون أفريقيا”، ولم لا وظروف نشأته ومسيرته العسكرية تشابه ظروف نابوليون بونابرت؟!

في أعقاب حصول ما بات يعرف ب”جمهورية أفريقيا الوسطى” على الحكم الذاتي عام 1958، ثم الاستقلال عام 1960، وبداية تشكل قوات مسلحة وطنية، سمحت الظروف لبوكاسا بالترقي السريع من مجرد نقيب قبل هذا التاريخ بسنوات  قليلة، إلى رتبة عقيد عام 1960، حيث ساعدته خبرته العسكرية مع الجيش الفرنسي وانتمائه إلى قبيلة “الناجابكا” الأكبر عددا في بلده، والتي أيضاً كان ينتمى إليها معظم مسؤولي الدولة، ليتولى منصب رئيس أركان الجيش الوليد.

ومرّت السنوات الست سريعاً على حكم الاستقلال الحديث، ليقوم بوكاسا ورفاقه العسكريين بالانقلاب على الرئيس دافيد داكو، ويعطل دستور البلاد، ويحل الحزب الوحيد، لتصبح السلطة التنفيذية والتشريعية في يده ، ويعد بانتخابات لم تحدث قط.

تمتّع نظام بوكاسا بميزة لم تتوافر لكثير من النظم الديكتاتورية في هذا الوقت، وهي أنه حصل على دعم اقتصادي وسياسي من أحد أقطاب الحرية والديمقراطية في العالم الغربي ، فرنسا، وفي عهد أبرز زعماء وسياسيي الجمهورية الخامسة، حيث وضّح بوكاسا في اجتماع مع رئيس وزراء فرنسا وقتها ورئيسها في ما بعد جورج بومبيدو أنه قام بهذه “الثورة” للقضاء على الخطر الشيوعي! فأضحت هذه الجملة الذهبية ركيزة أساسية في جعل الدول الغربية تقبله كحاكم شرعي، وبخاصة فرنسا، التي أزعجها تهديده بخروجه من منظومة الفرانكفونية نتيجة لعدم الاعتراف بحكومته، ما يعني نهاية الامتيازات العسكرية والاقتصادية الفرنسية، وعلى رأسها عقود استخراج اليورانيوم، فيهرع الزعيم الفرنسي شارل ديغول إلى أفريقيا الوسطى لمنع حدوث ذلك، حيث كانت فرنسا في بداية دخولها النادي النووي، وطرفاً أساسياً في الحرب الباردة، فأغدقت عليه المساعدات المالية والغطاء السياسي، في مقابل جعل منطقة غرب أفريقيا الوسطى امتيازاً لفرنسا تتقسم بين انشطة التعدين والسياحة والصيد البري. وكانت البلاد في هذا الوقت المكان الأمثل الذي يقضي فيه المسؤولون الفرنسيون شتاءهم، وكانوا ضيوفاً دائمين على بوكسا، حيث تلقوا هدايا من الألماس، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، الذي كان يشغل منصب وزير المالية، والذي لخص علاقته بالإمبراطور الكانيبالي بقوله أنه يعتبر نفسه “صديقاً وفرداً من عائلة بوكاسا”، وقد تسبب الكشف عن رشوة الماس هذه بفضيحة كادت تعرقل اعادة انتخابه كرئيس لمدة ثانية.

بعد اعتراف فرنسا بحكم بوكسا، وما تبع ذلك من إمدادات عسكرية لحماية نظامه، بدأ في تصفية شركائه في الانقلاب، مستخدماً القتل والاغتيال والسجن مدى الحياة، ولم يكتف بالقضاء عليهم فحسب، بل على كل أفراد أسرهم،  لكن أبرز ما حدث من تصفية جسدية كان لألكسندر بانزا، ذراعه الأيمن الذي كوفئ على دوره في بناء علاقات واتصالات واسعة بين النظام الجديد ودول العالم، بإسناد وزارة المالية له، بالإضافة لترقيته إلى وزير دولة، ولكن سرعان ما بدأ بوكسا منذ حلول العام 1968 بحصار وتقليص نفوذ بانزا على أثر انتقاداته لإسراف بوكسا واستبداده بآرائه، فرد الأخير بتقليص صلاحيات بانزا وسحب وزارة المالية ووزارة الدولة، وقام بنقل القوات المتعاطفة معه إلى الحدود وحشد قواته الموالية حول مناطق تواجد بانزا، وما لبث أن قامت احدى الكتائب بالهجوم على موكب بانزا وأسرته. وهناك روايتين في طريقة قتل بانزا: الأولى أن قائد الكتيبة الذي أسرته توجه به مباشرة إلى قصر بوكسا الذي قام بإعطائه “علقة موت” بيديه بنيّة قتله، إلا أن الضابط الذي أسره نصح بوكسا بتقديمه لمحاكمة عسكرية علنية من أجل إظهار أن نظامه يتمتع بالشفافية! ومن ثم قدم لمحاكمة سريعة، فحُكم عليه بالموت رميا بالرصاص.

أما الرواية الثانية، فنشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية، التي ذكرت أنه قبل اجتماع مجلس الوزراء في نيسان/أبريل 1968 أمر بوكسا بالقبض على بانزا، وقام بنفسه بصنع جراح في أعضاء بانزا التناسلية بشفرة حلاقة، قبل ان يأمر بربطه بواسطة الحبال في سيارة، وسحله في شوارع العاصمة “بانجي” حتى يصلوا إلى ساحة إطلاق النار.

الضرب حتى الموت وقطع الأذن والأمن الغذائي للأمبرطور   

كانت عقوبة الضرب حتى الموت بالهراوات الطريقة المفضلة لدى بوكاسا، فبعد عام من الانقلاب بدأ في فرض نمط جديد لحياة مواطني بلاده، فتحكم بالكهرباء لينام الشعب مبكراً، وفرض أن تكون وسائل الترفية والسهر وحتى ألعاب الأطفال العادية في العطلات الأسبوعية فقط، كما عمد إلى مراقبة أماكن الرقص والحانات، وألغى تعدد الزاواج والختان. وكذلك فرض تقديم دليل عمل من كل مواطن يبلغ من العمر بين 18 – 55 عاماً، وإلا تغريمه أو إلقاءه في السجن بتهمة البطالة! وقام بوكسا بإنشاء ما عرف ب”لواء القيم” للإشراف على تطبيق هذه القواعد “الثورية” الجديدة، والتي كان نصيب من يخالفها السجن دون محاكمة طبعا في  سجن “نيجارجبا” الذي كان يشرف عليه بنفسه، ويتولى من حين إلى أخر الإشراف على حفلات الضرب حتى الموت لبعض السجناء، حتى أنه كان يتولى بنفسه ضرب المتهمين بالتظاهر، أو قطع أذني من يتهم بالسرقة، أو انتقاء الأصحاء بين السجناء والأصغر سناً ونقلهم  إلى مزرعة “بيرنجو” لكي يتلقوا معاملة جيدة وطعاماً جيداً وفيراً… تمهيدا لذبحهم وحفظهم متبلين في ثلاجات قصره!

أما التعامل مع مسؤولي الدولة فكان، دائما يخضع لمزاجه، فإذ أرتكب أحد المسؤولين خطأ صغيراً، مثل عدم مناداته لبوكاسا بلقبه الرسمي كاملاً، فأنه كان يقوم بضربه بنفسه حتى الموت بعصاه الأبنوسية الشهيرة، أو يعفو لمجرد أنه في مزاج حسن.

من نوادره أيضا في التعامل مع رجال جيشه أنه قام بقتل فصيلة مكونة من 12 جندياً ضرباً بيديه، حيث كانوا مكلفين بحراسة عشيقته التي جلبها من رومانيا في أحد زياراته، وذلك لأنه شك أنها استدرجت الحرس إلى الفراش واحداً تلو الأخر أثناء غيابه الطويل عنها.

ويذكر دافيد داكو أن هذه السيدة قامت بركوب دراجة أحد العاملين في منزلها فتسرب الشك إلى بوكاسا فقام بضربه حتى الموت.

أما  داكوا، الرئيس السابق، فقد سُجن، بعد عزله، عارياً مقيّداً من قدميه لمدة ثلاث سنوات في زنزانة انفرادية، ثم وُضع قيد الإقامة الجبرية لمدة ثلاثة سنوات ونصف، وبعدها أُفرج عنه وعُيّن مستشاراً لبوكاسا. ويروي داكو أن بوكاسا كان قبل اجتماعه مع وزرائه يقوم بوضع سلاحه الشخصي على طاولة الاجتماعات ويرفع عصاه ويقول: “لدي ما هو أفضل من الرصاص لمن يريد أن يأخذ مكاني”! وروى داكو أيضا أنه أثناء فترة سجنه كان ممنوعاً على الحراس التحدث إليه، وكانت عقوبة الحارس المكلف بحراسته وإطعامه عندما تحدث إليه مره أن تم ثمل عينيه!

 

 

لقاء وحيد مع الأخ العقيد يهديه إلى الإسلام!

 

التقرب من ليبيا ونظام معمر القذافي، شكل إحدى نقاط التحوّل الرئيسية في علاقة بوكاسا مع الفرنسيين، حيث لجأ بوكاسا إلى القذافي عندما رفضت  الحكومة الفرنسية زيادة المعونات السنوية بسبب إسرافه، وأيضا بسبب بدأ تسرب معلومات إلى الصحافة الفرنسية حول علاقته بالمسؤولين الفرنسيين، وما تضمنته من رشاوى الألماس ورحلات الصيد. وفي أيلول/سبتمبر العام 1976، قام بوكاسا بزيارة لليبيا، وطلب معونة اقتصادية من القذافي قدرت بحوالي 25 مليون جنيه إسترليني، لكن العقيد الليبي إشترط عليه أن يشهر إسلامه. وبالفعل أعلن بوكسا إسلامه، وغيّر اسمه إلى صلاح الدين أحمد بوكاسا. ولكن القذافي طلب أن يتم إيفاد علماء دين وبعثات إسلامية إلى أفريقيا الوسطى ضمانا منه ألا يرجع بوكاسا في إسلامه فور نقده المال، وهو ما حدث بالفعل بعد حصوله على الدفعه الأولى ما جعل القذافي يقطع المعونة، ليرجع بوكاسا إلى مذهبه الكاثوليكي في كانون الأول/ديسمبر من العام ذاته، والذي رأى أنه يدعم فكرة تنصيبه إمبراطور.

 

إمبراطور أفريقيا وصاحب مصنع ملابس مدرسية

 

في الرابع من كانون الأول/ديسمير 1976، شرع بوكاسا في تنفيذ حلمه الأكبر بأن يصبح إمبراطوراً مثل نابوليون بونابرت، فحل المجلس الحاكم، وأصدر دستوراً شبه ملكي، نص على أن أفريقيا الوسطى إمبراطورية، ولا وجود للأحزاب أو التنظيمات السياسية فيها، وصار لقبه الرسمي “صاحب الفخامة الإمبراطورية إمبراطور إفريقيا الوسطى”، ونصب نفسه رسميا في  كانون الأول/ديسمبر 1977 في حفل أسطوري بائس تكلف حوالي 20 مليون دولار، أي نحو ثلث ميزانية بلاده، وقد تم جلب 200 دراجة بخارية من شركة “بي إم دبليو”، وسيارة “رولزرويس” بقيمة مليون جنيه إسترليني في هذا الوقت، بالإضافة إلى صنع عرش من الذهب الخالص على شكل نسر مجنّح لاستخدامه في حفل التتويج.

وبطبيعة الحال فإن رؤساء الدول الذين تمت دعوتهم لم يأتوا إلى حفل التتويج، لكن ذلك الحفل لم يخل من المسؤولين الفرنسيين والدبلوماسيين، وكذلك رجال الأعمال الأوروبيين، خصوصاً الألمان والإيطاليين، الذين داعبهم على مأدبة غذاء فاخرة بأن اللحم الذي تناولوه لتوهم لحماً بشرياً، مبرراً أن من يرفض أو يتقزز من اللحم البشري منافق وجاهل!

ومن طرائف الامبراطور في التعامل مع الإعلام أثناء مراسم تتويجه أن أمر بالقبض على مراسل فرنسي يدعى مايكل غولدسميث، ثم بعد انتهاء مراسم التتويج ذهب الامبراطور مع اثنين من أولاده إلى مقر احتجاز الصحافي وقاموا بضربه لحد الاغماء ثم أمر بحبسه لمدة شهر عارياً!

بحلول العام 1979، كانت أزمة الجوع قد وصلت ذروتها، ونتجت عنها اضطرابات وتظاهرات من سكان العاصمة، قُمعت بوحشية ودموية شديدة من قبل قوات بوكاسا، ولكن الحادثة الأكثر دموية كانت بتاريخ 17 نيسان/ابريل من العام ذاته، حيث تظاهر عدد من طلاب المدارس احتجاجاً على فرض نوع معين من الزي المدرسي تنتجه مصانع بوكاسا وتبيعه بأسعار مرتفعة، فقُمعت تظاهرة التلاميذ وتم اقتياد المئات منهم إلى سجن العاصمة. وكالعادة يأتي بوكاسا ليشرف على تعذيبهم وقتلهم ضرباً بهراوات، وقد راح ضحية هذا اليوم ما يفوق المئة طفل، قيل أن خمسة منهم قتلهم بوكاسا بيده!

 

كانت هذه المذبحة المسمار الأخير في نعش علاقة الإمبراطور بفرنسا، فتم رفع الغطاء السياسي عنه، والعمل على استبداله، وبالفعل تم تهريب مستشاره، ورئيس افريقيا الوسطى السابق دافيد داكو، وقام الجيش الفرنسي بعملية عسكرية محدودة سُمّيت “باراكودا” أثناء تواجد بوكاسا في الخارج، وتم إرجاع داكو إلى منصبه، وهرب بوكاسا إلى ساحل العاج ومنها إلى فرنسا في رعاية الحكومة الفرنسية وصديقه السابق فاليري جيسكار ديستان، حيث عاش فيها حتى عام 1986، ثم عاد إلى أفريقيا الوسطى ليستأنف حكماً غيابياً ضده بالإعدام صدر في أوائل العام 1980، وشهدت محاكمته صلابة غريبة من الرجل الذي دافع عن نفسه أمام المحكمة، بأنه وطني خدم بلده ووقف ضد أطماع فرنسا، وحوكم على 14تهمة على رأسها القتل، ولكن المحكمة لم تستطع إثبات سوى 20 حالة قتل مرتبطة به فقط، فأكدت حكم الإعدام ضده الذي عارضه الرئيس اندريه كولنجبا، الذي كان جنرالا في جيش بوكاسا، فتم تخفيفه إلى سجن مدى الحياة، ثم إلى 20 عاما فقط، ثم صدر عفو رئاسي شامل في1993 ليخرج بوكاسا ويعيش حتى عام  في فيلا محاطة بالحدائق، وفي حماية القوات الحكومية، وردد محاميه وأطبائه أنه في الفترة الأخيرة وصل لحالة هدوء وسلام نفسي نادرة مصحوبة بهلاوس منها أدعاؤه بأنه الحواري الثالث عشر للمسيح، وبأن بابا الفاتيكان يأتي لزيارته سرا ليأخذ منه البركة!

في العام 1996 مات بوكاسا في فراشه أثر أزمة قلبية عن عمر يناهز 75 عاماً، و17 زوجة و50طفلاً، لينعيه رئيس أفريقيا الوسطى فرانسوا بوزيزيه في العام 2010 باعتباره “ابن أمتنا العظيمة والجميع يعرفونه كبانيها العظيم”!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع :

 

1- Brian Titley, author of Dark Age: The Political Odyssey of Emperor Bokassa.

2- Echoes From a Somber Empire. film by Werner Herzog &journalist Michael Goldsmiths

3-Wikipedia the free encyclopedia\ Jean-Bédel Bokassa

4- http://en.wikipedia.org/wiki/Jean-B%C3%A9del_Bokassa

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق