ثقافة

نزهة “يونانية” مع نجيب محفوظ

تتخطى رواية: “في شوارع القاهرة .. نزهة مع نجيب محفوظ “، الصادرة عن سلسلة الجوائز في الهيئة المصرية العامة للكتاب، كونها سيرة ذاتية للكاتبة والمترجمة اليونانية، بيرسا كوموتسي، وترجمها خالد رؤوف، فهي سردية ممتلئة بحيوات متعددة ومتدفقة، تتصل فيها حياة الكاتبة في القاهرة، ومشاهداتها الخاصة والتقاطاتها الذكية والعفوية بطبيعة المجتمع وناسه، والتحولات التي مستهما وغيرت أو ربما شوهت معالمهما السابقة.

هذا ما فتشت عنه الكاتبة داخل العالم الروائي لنجيب محفوظ، الذي غاصت في شخصياته وعوالمهم الداخلية وأزماتهم الوجودية والإنسانية والتاريخية، فاستهلت كل فصل من روايتها الموزعة على 18 فصلا وخاتمة بمقتطف من أعمال صاحب “أولاد حارتنا”، وطابقت بينها وبين الواقع الذي تعرف كثيراً من نماذجه وأزماته وأوجاعه، فتركت حدسها الفني وذاكرتها تنتقل بين الواقع والمتخيل وتنقل لنا شغفها الشديد.

لا يكاد ينفصل الواقع الإجتماعي المصري عن عالم نجيب محفوظ، الذي تستدعيه دوما للتأكيد على حضوره وتماهيه في تفاصيله وعناصره وأحداثه ، كذا، سلوك الناس وآلامهم وأحلامهم ورغباتهم. فشخصيات محفوظ كما ترى ماهي إلا مرآة للحقيقة ويشبهون شخصيات عرفتهم.

وفي سياق سردها لبعض الشخوص الذين عرفتهم في طفولتها ومطلع شبابها الذي قضته في القاهرة، حتى دراستها للجامعة، تطابق بين أحد هؤلاء وشخصيات وردت في أحد رواياته، بينما ترى بعد أن امتد بها العمر أن بيتها القديم بالقاهرة كان يشبه بيت “الجبلاوي”.

تقول الكاتبة: “ما زلت أذكر بستاني البناية الخضراء بوجهه الصارم العابس دائما، وبالتأكيد، شحاذا عجوزا مجذوبا، كان يبدو كأنه خرج من حلم منسي،كان يجول دائما حافي القدمين وقذرا، شتاءً وصيفاً، يدق على طبلة مرتجلة، كان يخيف الأولاد كثيراً بمنظره الأحمق وثيابه البالية وتعبير وجهه المتوحش وأغنيته الرتيبة، هذا الأخير بعد سنوات كان يتطابق في ذهني بشخصية المتسول زيطة فى رواية زقاق المدق، وفي مرحلة من حياتها كان بيتهم يذكرها ببيت الجبلاوي، وقلب الليل”.

“الشارع الصغير الذى كنت ألعب فيه مع الأطفال الآخرين، في الحي الجديد الذي سكنا فيه في منطقة الجيزة، منطقة تاريخية، منطقة الفراعنة والأهرامات، كان يؤدى إلى شارع أكبر ومفعم بالضوضاء”. بهذا المقطع تبدأ الكاتبة اليونانية، روايتها عن مرحلة طفولتها، حيث كانت تسكن مع أسرتها في أحد أحياء غرب القاهرة، ترسم بورتريهات شديدة التكثيف عن المصريين البسطاء الذين كانوا يسكنون في شارعها وشكلوا عالمها الأول، وأضافوا جزءاً في ذاكرتها، فوصفتهم بصورة حميمية: “كانوا فقراء يتحلون بالطيبة والشهامة والكرم، وكان حسهم الفكاهي واضحاً”.

وتوضح كوموتسي بداية ارتباطها بـ “معلمها الكبير”، كما تصفه في روايتها، حيث كان يمشي في شارع قريب من مسكن أسرتها، ببشرته السمراء وبنظارته السوداء السميكة، ولم تكن تعرفه. في ما بعد عرَفت أن أعمال أديب نوبل، شكَّلت وجدان أجيال عدة، وأثَّرت أفكاره في قناعات كثيرين.

وفي مقطع من روايتها تقول عنه: “لكن فرعوني، عملاق أسطورتي، كان المفضل لدي. كان الوحيدَ الأكثرَ لطفاً. ميزته من البداية من دون أن أدرك السبب”.

وفي العمل ذاته تصور كوموتسي لقاءاً جمعها وهي طفلة بنجيب محفوظ، فتقول إنه حيَّاها وسألها بود شديد عن اسمها، وعندما عرف أنها من اليونان هنأها على جمال لغتها، وأخبرها أنها من بلد عظيم له حضارة باهرة كمصر. كما أنها تماهت معه وأدبه بصورة تأثرت فيها بدقة أعماله التي عبرت عن الإجتماعي والسياسي، ورأت فيها تعبيرات جماليات ترقى بأسلوبه لمقاطع شعرية، وقد توخى فيها موضوعات فلسفية وإنسانية عالية.

ترصد كوموتسي مآلات هزيمة حزيران/يونيو 1967، على الواقع المصري والعربي، والتحولات التي صاحبتها، والفوضى التي سادت كل شئ وزعزت يقينيات كثيرة، كما تناقش قضية “العقول” التي تترك وطنها نتيجة التضييق عليها وإقصائها فيخسر البلد مجهودات أبنائه إلى الأبد.

وجاءت مقارنتها عهدي عبد الناصر والسادات، من خلال كتابات محفوظ التي تناولتهما كأنهما خطين متناقضين من دون أن تعفي أحدهما مسؤولية الردة والأفول التاريخي الذي عرفته مصر في سبعينات القرن الماضي.

استطاعت صاحبة “أصوات سكندرية” التي كتبت روايتها تحت “تأثير “احتياج داخلي عميق”، حتى لاذت بالكتابة عن “معلمها الكبير”، الذي كرست جزءاً كبيراً من حياتها لنقل أعماله لليونانية، أن تضفر لنا سردية مكثفة عن أفكاره وقناعاته وفلسفته تؤلفها مقتطفات من أعماله بكل ما تحمله من واقعية وسخرية، بلغة شاعرية تكتظ فيها مشاعر إنسانية فياضة، لدرجة جعلتها ترى في كتاباته سند معنوي كبير لها يحررها من هذا الشعور الثقيل باليأس الذي رافق شروعها بكتابة روايتها، فتقول:” كلما أثقلتنــي الحياة والأشياء من حولي، كان يكفيني أن أقرأ بعض المقتطفات من كتبه حتى أجد التفاؤل في الحياة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق