مجلة الكترونية عربية مستقلة

“نساء في عرين الأصولية”… حين تصبح المرأة “صيداً سهلاً”

كانت شوارع مصر الجديدة تغرقها الأمطار، وتكتسي مبانيها الخديوية بالأحمر الخافت، الذي تتركه شمس سبتمبر لحظة غروبها، في وقت كانت تبحث فيه رباب كمال عن الله بالاعتكاف الجزئي داخل أحد مساجد حيّها الأرستقراطي.

لم تكن كمال مواظبة على الصلاة في العام 2003، لكنها وجدت في الاعتكاف في مسجد يوسف الصحابي بين صلاتي المغرب والعشاء، حلّاً لخروجها من أزمتها النفسية… قبل أن تتحول خلوتها هذه إلى “صيد سهل” لاستقطابها من فتيات “الإخوان المسلمين”.

احتاجت الإذاعية رباب كمال 14 عاماً لتوثيق تجربتها عن مرحلة استقطابها داخل أحد مساجد مصر الجديدة من قبل “الأخوات” في جماعة “الإخوان المسلمين”، ضمن الفصول السبعة من كتابها الجديد “نساء في عرين الأصولية الإسلامية”، الذي تسرد فيه أدبيات المرأة عند الأصوليات الإسلامية المختلفة.

تخوض كمال، التي نشرت كتابين عن متلازمة الدين والعلمانية أيضاً، هما “من وحي العلمانية”،”متى تخلع مصر عباءة الفقيه.. دولة الإمام”، تجربة أخرى تدخل فيها على خط الأصوليات وأدبيات المرأة، في محاولة منها لتفكيك الخطاب الداخلي، وليس لنشر العلمانية، كما تقول في حوارها معنا.

فوكيل مؤسسي “الحزب العلماني المصري” و”حركة علمانيين” لا تهدف من خلال كتابها الجديد نشر مبادئ العلمانية، بقدر المساهمة في الحراك التنويري، وإثبات أن حقوق المرأة اجتماعية وليست دينية، وتجديد الفكر الديني بدلاً من إهدار الوقت في تجديد الخطاب نفسه.

في رحاب الأخوات

تحكي رباب في هذا الباب عن مرحلة استقطابها التي استغرقت قرابة العام في الفترة ما بين أيلول/سبتمبر 2003  وتموز/يوليو 2004، فكانت تجلس صامتة بغطاء رأس ترتديه داخل المسجد فقط وتخلعه خارجه، حتى اقتحمت خلوتها (ن .م). تقول: “كانت تعرفني جيدًا خاصة، وبدأت بسؤالي عن عدم التزامي بالحجاب خارج أسوار المسجد و كانت نبرتها هادئة غير متشنجة ولا منفرة بل كانت ودودة إلى أقصى درجة، وكانت تنصحني في المقابلات بارتداء الحجاب لأني بشعّ نور (أشعّ نوراً)”.

إلا أن بداية الاستقطاب الحقيقية كانت عند تلقيها هدية من الأخت، وهي عبارة عن كتاب بعنوان “هل نحن مسلمون؟”  للداعية محمد قطب، شقيق سيد قطب أحد منظري جماعة “الإخوان المسلمين”، وكان أكثر ما لفت انتباهها هو استخدامه لفظاً للجماعة المسلمة وليس الإسلامية، لأنه كان يعول على إقامة مجتمع مسلم يطالب بتطبيق الحدود أيّاً كانت الظروف، وليس مجتمعاً تحكمه مجرد جماعة إسلامية، وكان تركيزه ينصب على تجنيد الناس لقضية لا إله إلا الله.

لم تقتصر رحلة رباب على مسجد يوسف الصحابي، إذ كانت تتنقل إلى مساجد أخرى لسماع خطب الجمعة عن النموذج المفضل للمرأة المسلمة عند هذا التيار، بخلاف الجلسات التي كانت تنظم في نادي الشمس، الذي يقع في نطاق دائرة مصر الجديدة، وكذلك الزيارات التي تنظمها الأخوات إلى الأحياء الشعبية كمنطقة الألف مسكن، لاستقطاب سكانها إلى الجماعة.

كانت المساجد والنوادي الاجتماعية والجامعات من المناطق المستهدفة عند جماعة “الإخوان المسلمين”، ولكل شريحة وفئة اجتماعية من يخاطبها. تشرح: “مهما كنت فضولية وكثيرة الأسئلة، كانت إحداهن ترفض الصدام معي لاحتياجهنّ إلى فتيات يجيدن لغات أجنبية، واستطاعوا أن يصلوا لجميع الناس ويخترقون المناطق، وهذا مكمن القوة عند التنظيم”.

“في تلك الأثناء ظل  تواصلي مستمرًا مع الأخوات ولبّيت دعواتهنّ التي أثارت فضولي، وظلت أدبيات الإخوان تنهال عليّ وعلى غيري من الفتيات، ولفت انتباهي أنه كلما كنت أعترض على شيء ما، كانوا يعطونني كتباً أكثر غلظة، مثل ظلمات التيه، إلى كل فتاة تؤمن بالله، جلباب المرأة المسلمة في الحديث والسنة، وهنا نقطة ضعف الاخوان، إذ يزدادون غلظة كلما عارضتهم أو راجعتهم في الأفكار”، تقول رباب.

تشير إلى أن كان هناك كتاباً حرصت تلك الأسرة من الأخوات على توفيره لعدد كبير من الفتيات المترددات على نادي الشمس أو المسجد الذي يطل على بوابته بعنوان “الأخوات المسلمات و بناء الأسرة القرآنية”، هو كتاب من تأليف محمد عبد الحكيم خيال ومحمود محمد الجوهري.

تستدعي رباب كمال مقدمته: “نحن نريد الفرد المسلم والبيت المسلم والشعب المسلم حتى نؤثر في الأوضاع و نصبغها بالصبغة الإسلامية ومن دون ذلك لن نصل إلى أي شيء”.

فالمجتمع الاسلامي (بحسب كتاب الأخوات المسلمات) يكره الاختلاط  وحذر من خروج المرأة من المنزل انحرافًا عن مقتضيات الأنوثة والتزامات الدين. ويسهب الكتاب في إثبات نظرية أن عمل المرأة لعنة تصيب البشر في عصور الانتكاس والشرود الضلال.

وبحسب رباب، فإنّ الإخوان راهنوا على أن أسلمة المجتمع ستتحقق من خلال أسلمة النساء، لأنهنّ سيحرصن على تنشئة أولادهم على تلك المفاهيم التي تؤكد أن الإسلام هو الوطن، و أن الانتماء للأرض مجرد وثنية.

انتهت علاقة رباب بالأخوات في تموز/ يوليو 2004 من دون أن تقطع عهدا على نفسها، كما هو معتاد، وحينها دار هذا الحوار مع إحداهن حينما انقطعت عن الجلسات: ” كنا نستبشر بك خيراً لكن الله لا يهدي من أحببت، وخذلتينا وخذلتي نفسك، وأمة الإسلام لا تقف على أحد”.

روح الله في مواجهة نساء الفرس

تتطرق رباب كمال في الباب الثاني من الكتاب إلى أدبيات المرأة عند النظام الملالي في إيران، وتحديداً حفاوة الأخوات المسلمات اللاتي رافقتهن بالنموذج الإيراني، فكانت الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني في إيران تداعب طموح “الإخوان المسلمين” في مصر وتونس بالرغم من الاختلافات المذهبية بينهما.

توضح كمال: “كان نموذجاً حيا لإقامة دولة إسلامية والانقلاب على المدنية في القرن العشرين، وذكر راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية أن الاتجاه الإسلامي تبلور على يد الإمام البنا وسيد قطب والإمام الخميني، وقال أحمد يوسف في كتابه (الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران):نأمل في ظهور جمهورية أخرى للقرآن و السلطان في المستقبل، لتتحقق لأمتنا مكانة القوامة على الناس”.

وتلفت كمال إلى أن نموذج إيران الإسلامي تم الترويج له قبل العام 2011 في مصر على أنه النموذج الإسلامي الديمقراطي المنشود، وأنه نظام كفل حقوق المرأة كاملة من دون مواربة: “الأخت شيرين كانت تتباهى بنموذج المرأة الإيرانية في الجلسات، وتدعونا إل السير على خطاها، لكنها تجاهلت ما تتعرض له المرأة هناك والحقوقيات من أمثال شيرين عبادي وهو ما أثار فضولي بالنسبة إلى نوعية الديمقراطية والنسوية التي يتحدثن عنها الأخوات المسلمات”.

وشيرين عبادي، مواليد العام 1947، كانت أول قاضية شرعية قبل الثورة الإسلامية، وبرغم مشاركتها فيها، لكنها أقصيت مع زميلاتها في العام 1979، وهمشت بتعيينها في وظائف مكتبية في المحاكم، إلى أن تحولت إلى مناضلة للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد النظام الملالي، وحصلت على جائزة نوبل في العام 2003 عن دورها هذا… وتعيش الآن خارج طهران بسبب معارضتها للحكم الإسلامي.

وتبرز كمال الاختلاف بين التجربة الإسلامية عند “الإخوان” والخميني، فتقول: “الافتراض بأن مصير نساء مصر كان ليصبح مختلفًا عن مصير نساء إيران، كان في غير محله، لأن الإخوان في مصر لم يتمكنوا من تنفيذ وتفعيل رؤيتهم الحقيقة لدور المرأة باعتبار أن مقاليد السلطة لم تكن في أيديهم بشكل متكامل”.

هنا الزيتون..  يوجد نقاب سعودي

على بعد ثلاثة كيلومترات من حي مصر الجديدة، وتحديدا في شارع العزيز بالله التابع لمنطقة الزيتون الشعبية، ستجد محلات تتصدرها لافتة بارزة “يوجد نقاب سعودي”. كانت تلك أحد المصادر التي تروج للأفكار السلفية في المناطق الشعبية، بجانب الكتيّبات التي تباع بأسعار بخسة لا تتعدى جنيهين أمام الزوايا الصغيرة، والفضائيات الدينية التي لعبت دوراً كبيراً في وصول الفكر السلفي إلى المنازل.

كلها مشاهد ظلت عالقة في أذهان رباب كمال خلالها بحثها عن وسائل انتشار الفكر الوهابي داخل المجتمع المصري في العام 2007، حتى وجدت مكاناً لها في كتابها الجديد تحت عنوان “رمال الوهابية المتحركة”.

لم يكن ظهور شعار “ينتهي الغلاء حين تتحجب النساء” – المقولة شائعة التي غزت المؤسسات والشوارع والمواصلات العامة في مصر في فترة التسعينيات – إلا دلالة على انتشار هذه الأفكار حينها، والربط بين معصية النساء في خلع الحجاب وبين غضب الله على الأمة التي تركت نساءها يسرن في الطريق العام بخلاعة وبدون حجاب شرعي.

وبحسب كمال، فقد انتشر في الأوساط المجتمعية لفظ “فتنة النساء” في الكتيبّات التي تباع على الأرصفة، ومن أشهرها سلسلة محاضرات “الابتلاء بفتنة النساء” للشيخ السعودي  محمد صالح المنجد، ومؤلفات ابن باز مفتي السعودية الأسبق، الذي بيعت له مؤلفات عدة في ساحات المساجد في المناطق الشعبية والفقيرة، ومنها مؤلف بعنوان “التبرج وخطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله”.

 في تلك الفترة كان يتم بناء ثلاث زوايا يومياً بحسب الإحصاءات الرسمية في مصر خلال الفترة الممتدة ما بين العامين 1970 و1982، وانطلق منها خطاباً يقلل من شأن المرأة العاملة التي تدمر أسرتها، فالمجتمع الإسلامي لا يحتاج إلى امرأة تعمل في المعمل، وإنما يحتاج إلى أنيسة وونيسة للرجل، وهذا ما جاء في واحد من الكتيبات المطبوعة من دون ترخيص على ورق أصفر رخيص، والذي كان منتشراً على أرصفة  بعض الزوايا مثل كتاب “الاختلاط بين الرجال و النساء” للإمام السعودي  سعيد بن علي بن وهف القحطاني.

تؤكد كمال أن مناهضة الأفكار الأصولية ليست لها علاقة بما يحدث بالإجراءات الإصلاحية الجارية في السعودية الآن، بل بالثورة المعلوماتية التي فتحت أفاقا جديدة داخل المجتمعات. كما ترى أن إصلاحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تجميلية لدور السعودية كشريك للولايات المتحدة، فالولاية على المرأة ما زالت مستمرة بحسب أحكام الشريعة الإسلامية، وهيئة الأمر بالمعروف لها دورها، لكنها تتوارى من أجل مصلحة المملكة.

مآذن الوسطية ترفع آذان الأصولية

تتطرق رباب كمال في هذا الباب إلى تاريخ تطور الخطاب الأزهري في قضايا حقوق المرأة، وتحاول الإجابة على سؤال: هل قام الأزهر بالتجديد فعلاً أم أنّ تغيير الخطاب وفتاوى المرأة كانت نتيجة لموائمات سياسية؟

تستدل بذلك على موقف الأزهر من تجريم الختان، فشيخ الأزهر جاد الحق تصدى للدولة المصرية في العام 1994 لمنع تجريم الختان قبل أن يخرج أزاهرة في العام 2006 ويدللون على شرعيته. غير أن مواقف الأزهر تبدلت كثيرا في قضايا أخرى مثل عمل المرأة في منصة القضاء، وترشحها في الانتخابات النيابية، فصدرت فتوى قديمة في العام 1952 أنه ليس من حق المرأة أن تجالس الرجال في البرلمان قبل أن يعدل الأزهر في قراره بعد ذلك.

توضح رباب كمال: “العلاقة بين الأزهر والدولة ثابتة وفيها تبعية ومنفعية، وإن اهتزت في بعض الفترات، فالأزهر هو مؤسسة الدولة الدينية، ويريد يحصول على سلطات دستورية، والدولة تستمد منه شرعية دينية”.

تعرج كمال إلى الحديث عن محاولة الأزهر إحياء الدستور الإسلامي 2009 بعدما أدخل الرئيس الأسبق محمد أنور السادات تعديلا دستوريا على مادته الثانية تكون فيه الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وهو ما يفسر رغبة الأزهر دائما بفرض ديكتاتوريته الدينية على الدولة والإسلاميين والجميع.

وخلصت مؤلفة الكتاب إلى أن البيئة المصرية تحتاج إلى تجديد الفكر الديني أكثر من الخطاب الديني نفسه، بمعنى تطوير فكر العامة وتغييره حسب الاجتهادات وسياق الزمن والمناخ السياسي والابتعاد عن الخطاب الديني كونه سلطويا وغير مرن.

“التجارب الفردية للعلمانيين في مصر أكثر تأثيرا من المؤسسات والأحزاب، والتجمعات العلمانية على شبكات التواصل الاجتماعي ألقت حجرا في المياه الراكدة، نحن نتبع استراتيجية الأقليات الحرجة في الضغط والتأثير، لنؤسس لموجة جديدة في مجتمع أصولي مثل مصر” تختم رباب كمال.

Leave A Reply

Your email address will not be published.