آراء وترجمات

نسافر في الزمان…

في الأساطير الإغريقيّة، هناك كائن خرافي يُدعى “كاتيبلوباس”، وهو، لكي يعيش، يقتات من لحم البشر، وعندما لا يعود ثمّة من يأكله، يبدأ بالتهام نفسه.
كم تُشبه هذه الأسطورة القديمة واقعَ الأنظمة العربيّة اليوم…

حول وصول طلائع “البوركيني” إلى شواطئ طرابلس، مع حلول الصيف وبداية الموسم السياحي الجديد، قال قاضي بيروت الشرعي الشيخ حسن الحاج شحادة لصحيفة “النهار”: “لا يحقّ للمرأة أن ترى عورة الرجل ولا يحقّ له رؤية عورتها.” إذاً أين تكمن عورة المرأة في حال ارتدائها البوركيني؟ يجيب: “أثناء السباحة تلتصق الملابس بجسد المرأة بعد تبلّلها بالمياه، مما يجعل تضاريس مفاتنها ظاهرة للعلن بشكل جليّ، وهذا ما قد يجعلها محطّ أنظار الرجال.” وماذا عن عورة الرجل؟ “إنّ المذاهب الإسلامية الثلاثة (الشافعي والحنبلي والحنفي) اعتبرت أنّ عورة الرجل تتجسد في المساحة الممتدة بين سرّته وركبتيه، لذلك لا يجوز للمرأة أن تمعن في النظر إليه أثناء السباحة”.
نسيَت الصحيفة أن تسأل قاضي بيروت الشرعي عن الفرق بين العورتين وكيف يمكن الحدّ من خطرهما على مستقبل العيش المشترك في لبنان؟

عادت إلى خاطري اليوم حالة نصر حامد أبو زيد الذي التقيته آخر مرّة في مدينة لاهاي. أخبرني يومها أنّ خروجه الاضطراري من مصر بعد اتهامه بالكفر والحكم بردَّته وتفريقه عن زوجته كان، بالنسبة إليه، أقلّ وطأة من مصادرة كتبه وسحبها من مكتبة الجامعة.
السؤال الذي تستتبعه أسئلة أخرى: هل يمكن وضع حدّ للإرهاب بدون تفعيل العقل وبدون فكر نقدي، علمي وموضوعي؟ أين هو الفكر، والفكر المناهض للتطرّف بالأخصّ، في العالم العربي اليوم، وهل، في حال وجوده، تُفتح له الأبواب؟ هل يُسمَح بتداول المؤلّفات النقديّة، منذ أبن رشد وحتى نصر حامد أبو زيد، في الجامعات والمكتبات الوطنيّة؟ مَنعُ هذه المؤلّفات أليس مرادفاً للخروج من الواقع ومن الزمن؟ أليس نوعاً من قتل المعرفة، وقتل المعرفة ألا يشكّل مدخلاً لقتل الإنسان نفسه؟
منارة الحدباء التاريخية التي جرى تدميرها مؤخّراً مثالٌ آخر على أنّ هناك من يسعى، من داخل العالم العربي وخارجه، إلى اجتثاث تلك المنطقة من جذورها…

في الطائرة التي أقلَّتي من بيروت إلى باريس، جلس بجانبي شابٌّ مُلتحٍ.
كنّا مُلتحيَين وفي يد كلّ منّا كتاب.
بعد ساعتين من بداية الرحلة وقبل ساعتين من وصولنا، التفتَ نحوي بتهذيب بالغ:
– هل لي أن أعرف ماذا تقرأ؟
وما إن لمح غلاف الكتاب حتى توجّه إليَّ بصيغة الجمع:
– لا أعرف عمّا تبحثون في الكُتُب وهناك كتاب واحد يُغنيكم عنها كلّها.
– ينبغي أن نتوقّف عن القراءة إذاً؟
– لا، على الإطلاق، ولكن بشرط أن نقرأ ما يستحقّ القراءة فحسب.
– ومَن الذي، في رأيك، يستطيع أن يحدّد لنا ذلك؟
– الله، سبحانه وتعالى.
(انتهى الحوار).
تأكّد لي، مَرَّة أخرى، ماذا فعلت الأنظمة العربيّة بشعوبها، كما تأكّد لي أننا لا نسافر فقط في الجغرافيا، من مكان إلى آخر، وإنّما أيضاً في الزمان…
آه يا زمن !

عام ١٩٦٨، قال الفنّان الأميركي إندي وارهول: “في المستقبل، لكلّ شخص الحقّ في ١٥ دقيقة من الشُّهرة”.
الوصول، وبأيّ ثمن، إلى الشُّهرة والمال والمجد…
منذ سنوات، طُرح على مئات الرياضيين في الولايات المتحدة السؤال التالي: “هل تقبلون بتناول منشّطات تجعل منكم أبطالاً أولمبيين، لكنّها قد تسبّب لكم الموت بعد سنة واحدة فقط؟”.
الذين أجابوا بالإيجاب تراوحت نسبتهم بين ٥٠ و٨٠ بالمئة.

 

عيسى مخلوف

* مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق