حكايات زمان

نكتة أدخلت “سُمعة” مستشفى الأمراض العقلية!

لم تعرف السينما والمسرح في مصر شخصية كوميدية مثل اسماعيل ياسين (1912 – 1972).

شقّ “سُمعة”، ابن مدينة السويس، طريقه إلى الفن في ظروف صعبة، تمكّن من تحدّيها بعناد، فاستطاع بسرعة فائقة أن يصبح “الكوميديان” الأول في العالم العربي، من دون منازع.

كثيرة هي المواقف الصعبة، وربما الخطيرة، التي واجهها اسماعيل ياسين في حياته، لكن أخطرها على الإطلاق “نكتة” حاول إلقاءها أمام الملك فاروق، وكادت أن تودي به، إما الى الموت، أو السجن!

أحداث تلك القصة المثيرة دارت في إحدى ليالي العام 1950.

في تلك الفترة اسماعيل ياسين قد أصبح أحد ألمع نجوم الكوميديا في السينما المصرية، فقرر التخلي عن القاء المونولوجات في المسارح والملاهي، في ما عدا بعض الحفلات التي كانت تقام في مناسبات استثنائية.

من بين تلك المناسبات، حفلة خيرية لصالح جمعة “مبرّة محمد علي” في ملهى الـ”أوبرج”، دُعي إليها “سُمعة” وحضرها الملك فاروق، الذي فقد وقاره في تلك السهرة من شدة الضحك، حين كان اسماعيل ياسين يقدّم المونولوجات بأسلوبه المميّز.

طلب الملك من أحد رجاله أن يدعو إسماعيل ياسين إلى القاعة الخاصة بالاستراحة الملكية. وحين جاء وقت الاستراحة، وقف “سُمعة” أمام الملك فاروق، وهو في حالة خوف وتوتر وقلق، فبادره الملك قائلاً:

– يلّا يا اسماعيل سمِّعنا نكتة جديدة.

ومن فرط الارتباك بدأ إسماعيل النكتة قائلاً:

– مرّة واحد مجنون زي جلالتك كده…

فصرخ الملك:

– إنت بتقول إيه! انت مجنون؟

أدرك إسماعيل أن الارتباك أوقعه في مصيبة، وبحركة ذكية جداً، سقط أرضاً، متظاهراً بأنه أُغمي عليه، ثم نهض الملك لمتابعة الحفلة غاضباً، وبقي بعض رجال الحرس الملكي حول “سُمعة” لمعرفة مصيره الذي سيأمر به الملك. فلا بد من أن ثمة عقاباً ينتظره!

بقي إسماعيل ياسين يتصنّع الآلام طوال ما تبقى من مدة الحفلة، بل وكان يتمتم بألفاظ غريبة، حتى سأل عنه الملك فاروق، وحين قيل له إنه لا يزال مغشياً عليه، أمر طبيبه الخاص يوسف رشاد بعلاجه. أدرك الطبيب الموقف، وعرف أن إسماعيل يتظاهر بذلك من شدة الخوف فقال للملك:

– لا لا مفيش كلام من ده. إسماعيل مريض وتصيبه حالة من ضعف الذاكرة، وفقد الإدراك، واضطراب الأعصاب، وهو في حاجة إلى أن يقضي فترة تحت الرقابة الطبية لمعالجة هذه الحالة العصبية.

وجاء تشخيص الطبيب هكذا، من أجل أن يعفو الملك عن “سُمعة”، فقرر فاروق إرساله إلى مستشفى الأمراض العقلية، لتلقى العلاج، وبالفعل مكث إسماعيل في مستشفى “المبرة” لمدة عشرة أيام، لكي يعالج على نفقة الملك… أو هكذا ظن!

صدرت الصحف في اليوم التالي مشيدةً بالعطف الملكي الكريم على إسماعيل ياسين، وأشارت إلى أن الممثل عاوده مرض الصرع أثناء الحفلة الخيرية، التي كان الملك يحضرها، والذي أمر بعلاجه على نفقته الخاصة، وأصبح هذا الموضوع حديث الناس في المجتمعات، ومناسبة لتوجيه الشكر من الجميع للملك فاروق.

بعد عشرة أيام، كان يفترض أن يغادر “سُمعة” المستشفى، لكنه فوجئ بمندوب يطلب منه حساب إقامته… فقال له اسماعيل:

–  أنا علاجي كان أمر فيه الملك وعلى حسابه والصحف نشرت الكلام ده!

فردّ عليه مندوب المستشفى:

– الخاصة الملكية رفضت دفع مليم واحد. ولازم تدفع حساب المستشفى أو تفضل هنا لحد ما الفلوس تندفع!

كاد أن يغمى على إسماعيل ياسين عندما وجد أن فاتورة المستشفى تزيد على 200 جنيه، لكنه دفع المبلغ مجبراً لأنه خشي أن تتأزم الأمور ويدعوه فاروق الى إلقاء نكتة ما أمامه.

هذا الموقف لم يمر بسلام على إسماعيل يس، حيث ظل لمدة عامين بمنزله يخشى من العمل مرة أخرى متأثرا بما حدث، وبعد مرور العامين قامت “ثورة 22 يوليو” العام 1952، فشعر “سُمعة” كما لو أن الثورة أتت لتنصره وتنتقم له، فقرر أن يخلّد ذلك الشعور في مونولوج “عشرين مليون وزيادة” الذي قّدمه في فيلم “اللص الشريف”، من تأليف وسيناريو علي الزرقاني وإخراج حمادة عبد الوهاب، والذي شاركته البطولة فيه شادية ولولا صدقي.

كلمات المونولوج، التي كتبها الشاعر محمد عثمان خليفة، الشهير بـ“ابن الليل”، عكست فرح الشعب المصري بالتخلص من الحكم الملكي:

عشرين مليون وزيادة/ كانوا عايشين هنا أموات/ علشان حضرات السادة البهوات والباشوات/ عشرين مليون وزيادة.

كان الفلاح إجري يا مشكاح/ لأجل اللي قاعد مرتاح/ وأبو كرش كبير عامل بنكير/ في أوروبا فشر سوّاح/ على “إكس ليبان”/ وعلى “الكونكان”/ وعلى النسوان في دوفيل وفي كان.

إصرف كع ما في الجيب/ يأتيك يا ابني ما في الغيب/ وما بعد سعادته سعادة أصله وجيه وإبن ذوات/ ووراه حضرات السادة البهوات والباشوات/ عشرين مليون وزيادة.

الغني من دول كان قد القول/ كذا ألف وكذا فدان/ كان هو السيد والباقي عبيد/ وكلامه مالوش قولان/ سجن وترابيس/ أحرار محابيس/ والعجل أبيس نازل تهليس/

يسرق ويقولوا آمين/ يكفر ويقولوا آمين/ ويقولوا ده شيخ سجادة/ وولي وصاحب كرامات/ خدعوه حضرات السادة البهوات والباشوات/ عشرين مليون وزيادة.

كان عهد فساد إسود وسواد على شعب أصيل وكريم/ والمولى أراد كان بالمرصاد وسمع شكوى المظاليم/ كان فرجه قريب/ وسميع ومجيب/ الجيش ونجيب عملوا الترتيب.

وبفضل المولى عليه/ سعدنا تم على إيديه/ والشعب بقت له إرادة هزت كل الشنبات/

وبقينا كلنا سادة ولا بهوات ولا باشوات/ عشرين مليون وزيادة.

لم يكتف اسماعيل ياسين بتلك التحية لرجال “ثورة يوليو”، فبعد حوالي شهر قدم “مصر بين عهدين” بمشاركة الفنانة شادية في فيلم “حظك هذا الأسبوع”، الذي كان من بين مجموعة أفلام قدمها ياسين خلال العام 1953.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق