سياسة واقتصاد

هزيمة “داعش” في الموصل … ماذا بعد؟

أعلن العراق، اليوم الاثنين، رسمياً تحقيق النصر الكبير على الإرهابيين في مدينة الموصل ، بعدما نجحت القوات العراقية في تحرير ثاني أكبر مدن البلاد من قبضة تنظيم “داعش”، وذلك بعد نحو تسعة أشهر من انطلاق العمليات العسكرية، بالغة التعقيد، لاستعادة السيطرة عليها، في ما يمثل الهزيمة الأكبر لتنظيم الدولة الإسلامية منذ سيطرته على أجزاء واسعة في العراق وسوريا قبل ثلاث سنوات.

وقال رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، في خطاب نقله التلفزيون الرسمي: “أعلن من هنا وللعالم أجمع انتهاء وفشل وانهيار دولة الخرافة والإرهاب الداعشي الذي أعلنه الدواعش من هنا من مدينة الموصل قبل ثلاث سنوات”.

ووجه العبادي، الذي كان يرتدي زياً عسكرياً أسود اللون، ويحيط به قادة أمنيون، الشكر إلى القوات العراقية والتحالف والتحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنه حذّر، في المقابل، من أن التحديات لم تنته بعد.

وأضاف العبادي، قبل أن يرفع العلم العراقي، “أمامنا أيضا مهمة أخرى، مهمة الاستقرار ومهمة البناء ومهمة تطهير خلايا داعش، وهذا عمل يحتاج إلى جهد استخباري وجهد أمني وإلى وحدة الكلمة ووحدة الصف كما توحدنا في قتال داعش”، مؤكداً أن “علينا أن نتوحد في إعادة الاستقرار لهذه المناطق وعودة النازحين وإعمار جميع المناطق التي حررناها”.

وبدأت القوات العراقية هجومها لاستعادة السيطرة على ثاني مدن العراق، في 17 تشرين الأول/أكتوبر العام 2016، وذلك في عمليات ضارية، فقد خلالها تنظيم “داعش”  السيطرة الكاملة على ما يسمّيه عاصمة “الخلافة”، ليصبح محاصراً من القوات الأمنية ونهر دجلة داخل مساحة صغيرة في غرب الموصل.

وخلال الأيام الماضية، قتلت القوات الأمنية العراقية عناصر من تنظيم “داعش” لدى محاولتهم الفرار من آخر مواقعهم في غرب الموصل.

وأعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية في بيان، أمس الأول، أن “قطعات عمليات نينوى قتلت 30 إرهابيا حاولوا الهروب من الساحل الأيمن (غرب الموصل) إلى الساحل الأيسر (شرق الموصل) عبر نهر دجلة”، من دون تحديد المكان.

وقبل ذلك بيوم واحد، أعلنت القيادة ذاتها، وقائد عسكري آخر، أن مجموعة أخرى من مقاتلي “داعش” المتطرف حاولت الفرار بالطريقة نفسها، لكنهم قتلوا واعتقل آخرون.

وشكل المدنيون العائق الأكبر أمام تقدم القوات العراقية داخل المدينة القديمة في غرب الموصل، إذ أن تنظيم “داعش” كان يتخذهم كدروع بشرية.

وأظهر مقاتلو التنظيم التكفيري مقاومة شرسة في الأيام الأخيرة، مع تصعيد في العمليات الانتحارية، وخصوصا من قبل النساء المتشددات.

وأسفرت المعارك في الموصل، عن نزوح ما يقارب 915 ألف شخص من منازلهم، ولا يزال نحو 700 ألف منهم نازحين حاليا، وفق مكتب الامم المتحدة للشؤون الانسانية.

وعلاوة على الهزيمة الكبرى التي تكبّدها “داعش”، فإن استعادة الموصل تمثل خطوة ذات أهمية كبيرة للقوات العراقية، التي انهارت تماما أمام هجمات التكفيريين في العام 2014، برغم تفوقها عددياً.

ومع أن خسارة الموصل ستشكل ضربة كبيرة لتنظيم “داعش”، فإنها لن تمثل نهاية التهديد الذي يشكله، إذ يرجح أن يعاود المتطرفون وبشكل متزايد تنفيذ تفجيرات وهجمات مفاجئة، تنفيذاً لاستراتيجيتهم التي اتبعوها في السنوات الماضية، خصوصا وأن التنظيم لا زال يسيطر على مناطق عراقية عدة.

وحذر محللون من أن خسارة الموصل تشكل ضربة كبيرة للجهاديين، لكنها لا تعني نهايتهم.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المحلل في معهد “دراسات الحرب” باتريك مارتن قوله إنه “لا ينبغي أن ننظر إلى استعادة الموصل على أنها نهاية تنظيم الدولة الإسلامية”. وأوضح أنه “إذا لم تتخذ قوات الأمن خطوات لضمان الحفاظ على المكاسب ضد تنظيم الدولة الإسلامية على المدى الطويل، فإن التنظيم يمكن أن يعود نظريا ويستعيد السيطرة على مناطق حضرية”.

ولا يستبعد المحللون الأمنيون أن يلجأ “داعش” إلى عمليات انتقامية خارج حدود العراق، لا سيما في الغرب، وذلك من خلال خلاياه النائمة أو مناصريه الذين يُصطلح على تسميتهم بـ”الذئاب المنفردة”.

ولا يزال “داعش” يسيطر على مناطق مهمة في العراق، كما أنه لا يزال قادراً على تنفيذ هجمات في مناطق عدّة.

وتعد مدينة تلعفر من أهم المناطق التي يسيطرة عليها “داعش”، عند الحدود مع سوريا.

وكان عدد سكان تلعفر، وغالبيتهم من التركمان الشيعة، يقدر عدد سكانها بمئتي ألف شخص قبل أن تقع في قبضة تنظيم “داعش” في صيف العام 2014.

ومن المرجح أن تتخذ عمليات تحرير تلعفر مساراً مشابهاً لعمليات تحرير الموصل، سواء في طبيعتها الميدانية، أو في الحساسيات الطائفية، والإقليمية، التي تحيط بها، ما سيجدد الجدل بشأن هوية القوات المشاركة، في ظل اصرار فصائل “الحشد الشعبي” الشيعية على أن تكون السيطرة لها، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وتركيا.

وأما ثاني المدن المهمة الواقعة تحت سيطرة “داعش” فهي الحويجة، وهي جزء من محافظة كركوك التي تسيطر عليها القوات الكردية.

وكانت الحويجة مسرحاً لأعمال عنف اندلعت في نيسان/ابريل من العام 2013، حين اقتحمت قوات الأمن تجمعا مناهضا لحكومة نوري الماليك، ما أدى إلى وقوع اشتباكات، خلفت عشرات القتلى. وكان ذلك مقدمة لموجة عنف متواصلة، بلغت ذروتتها عندما هاجمها تنظيم “داعش” وسيطرة عليها.

وعلى غرار الموصل، وتلعفر، تمثل الحويجة حساسية كبرى، خصوصاً أنها ميدان للصراع السياسي بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد من جهة، والصراع الطائفي بين الشيعة والسنة.

كذلك، لا يزال “داعش” يسيطر على مناطق عدةّ، على امتداد نهر الفرات، في محافظة الأنبار، أهمها مدينة القائم، عند الحدود السورية -العراقية، ما يوفر للتكفيريين قدرة لا يستهان بها في التسلل والتهريب بين العراق وسوريا، بما يمثله ذلك من تحدّ كبير على المستويين العسكري والأمني.

علاوة على ذلك، فقد أظهرت الفترة الماضية، أن تحرير المدن العراقية من قبضة “داعش” لا ينهي تماماً خطر الاختراق من قبل تكفيرييه، وهو ما حدث على سبيل المثال في محافظة ديالى، التي شهدت عودة للجهاديين حتى بعد استعادة السيطرة عليها في العام 2015.

 

الموصل .. نبذة تاريخية

كانت منطقة الموصل الغنية بالنفط، لفترات طويلة، مركزا تجاريا كبيراً، يعيش فيها خليط من العرب والاكراد والتركمان والمسيحيين والاقليات الاخرى.

ودخل المسلمون مدينة الموصل عام 641، ووصلت الى اوج مجدها في القرن الثاني عشر قبل ان تسقط بيد المغول عام 1262، ثم توالى على حكمها الفرس والعثمانيون.

وتميزت الموصل بانتاج اقمشة قطنية تعرف باسم “الموسلين” نسبة الى اسم المدينة، ويعرف بكونه افضل اقمشة تنتج في البلاد.

وتقع على مفترق شبكة طرق سريعة في شمال العراق تربط العراق بسوريا غربا وبتركيا شمالا.

وقامت بريطانيا عام 1918 بضم هذه المنطقة الغنية بالنفط الى العراق، الذي اصبح انذاك تحت الانتداب البريطاني، رغم استياء فرنسا التي سعت إلى ربطها بسوريا واخضاعها للانتداب الفرنسي.

وفي اواخر القرن العشرين، اعتبرت الموصل من ابرز معاقل مؤيدي الرئيس المخلوع صدام حسين، قبل ان يدخل العراق في حالة فوضى امنية انتهت بدخول الجهاديين الى هذه المدينة.

وكان عدد سكان الموصل قبل الحرب يناهز المليوني نسمة، غالبيتهم من العرب السنة.

واستولى إرهابيو “داعش” على الموصل في العاشر من حزيران/يونيو عام 2014، ثم اعلن زعيم التنظيم ابو بكر البغدادي في ظهوره العلني الاول والاخير في مسجد النوري في تموز/يوليو 2014، اقامة “دولة الخلافة” التي ضمت مناطق واسعة في العراق وسوريا.

وحول الجهاديون الموصل الى نموذج لدولتهم، فوضعوا برامج دراسية وحددوا ساعات العمل للمحال التجارية ونوع اللباس للسكان، ومنعوا بيع الكحول وتدخين السجائر وتعاطي المخدرات.

وكان يعيش في المدينة قبل دخول الجهاديين اليها نحو 35 الف مسيحي، توزعت كنائسهم في وسط المدينة التاريخي خصوصا. وقد اجبر المسيحيون بعد صيف العام 2015، على اعتناق الاسلام او دفع الجزية او المغادرة. وقد غادرت غالبيتهم بالفعل.

وقام تنظيم الدولة الاسلامية ابتداء من تموز/يوليو 2014 بتدمير المساجد الشيعية والاضرحة التي كان بعضها تاريخي ومشيد منذ قرون. كما احرق المتطرفون الاف الكتب والمخطوطات التي كانت في المتحف التراثي الكبير بالموصل، كما دمروا آثارا لا تقدر بثمن.

وقام التنظيم كذلك بتفجير مقام النبي يونس الذي يحظى بالقداسة لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء، ودمروا ضريح النبي شيت. ولم تعرف بالتحديد الاضرار الفعلية للمواقع الاثرية في نينوى في شرق الموصل.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق