سياسة واقتصاد

هزيمة يونيو 1967 .. عبد الناصر في وداع عبد الحكيم عامر والثورة

ثلاثون عاماً جمعت بينهما… دارت فيها أحداث كثيرة، وشكلت جلّ تاريخ مصر الحديث، بانتصاراته وانكساراته، ولا نستطيع أن نطالعها أو ننظر إليها باعتبارها كتلة واحدة جامدة؛ بل هي لُحمة من الاعتبارات الشخصية والإنسانية والسياسية، صادفت وضعاً غير عادي، وجاءت نتائجه أيضا غير عادية. وكيف لا، وقد كان مسرح الأحداث تطل منه مصر، قلب العالم العربي ومحط أنظار القطبين الكبيرين آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

ثلاثون عاماً هي عمر الصداقة الممتدة التي جمعت بين المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال عبد الناصر، وذلك منذ عام 1937، وحتى لحظة الرحيل، بكل صعودها الدراماتيكي في ايلول/سبتمبر عام 1967، أعقاب هزيمة يونيو/حزيران من العام ذاته.

يشير الصحافي محمد حسنين هيكل في كتابه “الإنفجار” إلى ان جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، عانى من ارتفاع في درجة الحرارة، وقد حاول الأطباء علاج الحمى في جسده، فيما كان عقله يفكر في كيفية تضميد جراح الوطن اثر الهزيمة المريرة، ومعرفة ماهية الملابسات التي دفعت الوطن إلى هذا المنزلق الخطير، ولماذا أخفقت القوات المسلحة المصرية في صد الهجوم الاسرائيلي برغم التحذيرات المتكررة بموعد الهجوم وطريقة تنفيذه؟

شريط الذكريات كان يستحيل إيقاف حركته عن القرارات المتأخرة والترهل الذي أصاب جسد الوطن ومؤسساته، من التوازنات التي وضع لها عبد الناصر الكثير من التقدير، وربما أكثر مما ينبغي في إصلاح وضع الجيش والدولة، وموقع عبد الحكيم عامر في إداره الأمور داخل المؤسسة العسكرية، التي ينبغي لها تحت أي ظرف من الظروف أن تكون تحت إدارة القائد الاعلى للقوات المسلحة رئيس الدولة جمال عبد الناصر.

كان العام 1956 فاصلاً في حياة عبد الناصر وتاريخ مصر، إذ قرر الاستعمار القديم – بريطانيا وفرنسا – ومعه إسرائيل، تقديم ضربة مؤلمة بهدف اختبار “البكباشي” الذي يهدد مصالحهم في الشرق الأوسط، في ما عرف بـ”العدوان الثلاثي” على مصر، لكن عبد الناصر استطاع أن يدير معركة سياسية ناجحة، ساندته فيها الظروف الدولية، وعدم رضى الولايات المتحدة عن هذا العدوان، فضلا عن التهديد السوفياتي آنذاك بضرب لندن وباريس وتل أبيب بالصواريخ.

بداية التوتر بين الرئيس والمشير
بدأت في اعقاب “العدوان الثلاثي”

انسحبت الجيوش المعتدية وانتهت الحرب، وخرج عبد الناصر منتصراً، وازدات شعبيته بشكل مذهل، ولكنه ظل غير راض عن أداء الجيش، وكذا، أداء عبد الحكيم عامر. وكانت حرب العام 1956 هي أولى محطات الخلاف الاستراتيجية بين الرجلين. ولعلّ مطالعة شهادة السيد مراد غالب في مذاكراته تشير إلى مسألة في غاية الأهمية إذ يقول: “كانت حرب العام 1956 بداية الخلاف بين عبد الناصر وعامر، فالأول اعتبر أن ما جرى فيها كان فشلاً عسكرياً يتحمل المشير تبعاته، ومسؤوليته فيها. وساد التوتر في العلاقة بينهما إلى أن عادت الأمور إلى طبيعتها، ولكن بشروط عبد الحكيم عامر بأن يظل تعيين قيادات الجيش من خلاله مباشرة- أي عبد الحكيم عامر”.

ويضيف غالب: “وإن كان قد لاح امل بعودة العلاقة إلى سابق عهدها، إلا أنني أعتقد أن عبد الناصر اختزن في نفسه النتيجة التي عادت على أساسها هذه العلاقة، وظلت تلح عليه بالنسبة لظروف التغيير، وإلا فلن تكون القوات المسلحة في الوضع الذي يجب أن تكون عليه”.

أتمّ عبد الناصر على غير رغبته الكاملة أمر الوحدة مع سوريا، وأضحت مصر وسوريا “الجمهورية العربية المتحدة”. وحاول ناصر أن يمنح عبد الحكيم عامر فرصة جديدة في دمشق، وأن يمنح لرؤية القومية العربية جرعة جديدة من الطاقة والقوة، يمد معها الشعوب العربية بالتفاؤل. ولكن الوحدة لم تنجح، فحدث الانفصال وعاد عامر إلى القاهرة مرة أخرى في بداية الستينات. وهنا يقول هيكل: “عبد الحكيم عامر وجد في دمشق أجواء أخرى تتعامل معه وكأنه نائب الملك، ومن سوء الحظ أنه راح يتصرف على هذا الأساس”.

وهكذا وقع الانفصال بعد انقلاب عسكري ضد نظام الوحدة. ولعلّ نظرة سريعة على قائمة المشاركين تشير إلى أن معظمهم كانوا من أفراد مكتب المشير عامر في دمشق، وأن العقل المدبر للانقلاب هو عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتبه، الأمر الذي يكشف عن محدودية قدراته في إدارة الأمور والسيطرة والقيادة.

وهنا أفلتت من عبد الناصر فرصة جديدة، لاخراج عامر من المشهد السياسي في القاهرة، ورسخت في ذهنه، مرة أخرى، ضرورة التغيير.

جاء ليندون جونسون -المنتمي إلى الديمقراطيين- من ولاية تكساس ، بعد اغتيال جون كيندي، وتولى مقاليد الرئاسة الأميركية في الفترة الممتدة بين العامين 1963 و1969، وكان يتمتع بعلاقات وطيدة بالكيان الصهيوني.

بدأت حدة التوتر تتصاعد بدرجة كبيرة بين القاهرة وتل أبيب، منذ منتصف الستينات، وشرعت واشنطن في اللعب بأمر مساعدات القمح والمواد الغذائية، بشكل يحرج النظام المصري، ولاسيما شخص عبد الناصر الذي صرّح في إحدى خطبه في كانون الاول/ديسمبر العام 1964، في الاحتفال بذكرى انسحاب قوات العدوان الثلاثي، والذي أقيم في بورسعيد: “من لايعجبه البحر الأبيض فليشرب من البحر الأحمر”. وكان بذلك يقصد الرئيس الاميركي.

لم تكن أمور جونسون جيدة لشؤون الحكم، إذ كان متورطا في حرب فيتنام إلى أقصى درجة ممكنة، وراح الرئيس الاميركي يضيّق الخناق على عبد الناصر والقاهرة في الشرق الاوسط، ويضعها في بؤرة الصراع بين واشنطن وموسكو، التي راحت تقدم المساعدات للقاهرة بما فيها مساعدات القمح؛ إذ صدرت الأوامر للسفن المحملة بالقمح في البحر الأسود، والتي كانت تمضي في طريقها إلى الموانئ السوفياتية، بأن تحول اتجاهها نحو الموانئ المصرية.

يرى الخبراء السياسيون أن الولايات المتحدة كانت في حاجة إلى انتصار، يعيد لها هيبتها ويأخذ من نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق الاوسط، ويبدو ذلك الأمر جليا في القاهرة حليف السوفيات في المنطقة.

في تموز/يوليو عام 1961 صدرت القرارات الاشتراكية، وبدا واضحا أن النظام يتجه نحو نوع من الاقتصاد الموجّه تحت إشراف الدولة والقطاع العام، فيما أعلن البنك الدولي، في تقرير رقم 780، أن مصر استطاعت أن تحقق نمواً من عام 1957 وحتى 1967، بلغ ما يقرب من 7 في المئة سنوياً. حدث ذلك بالرغم من المضايقات الاقتصادية للولايات المتحدة.

يكاد يؤكد المؤرخون أن تولي الرئيس جونسون الحكم في الولايات المتحدة واعتلاء الملك فيصل سدة الحكم في الرياض، كان له أثر مباشر في استنزاف الجيش العربي في اليمن إلى أقصى درجة ممكنة، بعد تزايد عدد القوات المصرية في هذا البلد، حتى وصل عديدها في آب/أغسطس 1965، إلى نحو سبعين ألف مقاتل. وفي ذلك يروي محسن العيني، الذي كان سفيراً لليمن في واشنطن في تلك الفترة، أنه كان يتناول العشاء في أحد مطاعم واشنطن، بينما كان يجلس على المائدة المقابلة روبرت كومر، المسؤول عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن، وسمعه يقول إن “سياستهم تهدف إلى استمرار جمال عبد الناصر في اليمن”.

جملة الأمور كانت تسير في طريق الصراع بين القاهرة وواشنطن إلى أقصى درجة ممكنة، وكانت تل أبيب محور الصراع ورأس الحربة الرئيسي في الموضوع، وبدت المعلومات تتدفق على القاهرة بأن إسرائيل تقوم بحشد قواتها على الجبهة السورية، وأنها حشدت بالفعل عدة ألوية.

وصول جونسون والملك فيصل
إلى الحكم، كان له أثر مباشر،
في استنزاف الجيش المصري
في اليمن

كانت الجبهة السورية الإسرائيلية مسرحا لمناوشات عديدة طيلة شهر إبريل/نيسان، بينما كانت القاهرة تتابع الوضع بقلق بالغ.

كان النصف الثاني من شهر ايار/مايو 1967، حافلاً بالأحداث التي تضغط على جونسون، فقد اطلع على تقرير عدد القتلة الأميركيين في فيتنام فترة الاسبوع الثاني من شهر مايو/ايار، وكانت شعبيته في استطلاعات الرأي العام قدرت طبقا لاستقصاء قامت به مؤسسة “غالوب” بنحو 36% بهبوط قدره نحو 20% عن العام السابق.

وتشير الوثائق الاميركية إلى الأحاديث التي دارت بين جونسون ووزير الخارجية الاسرائيلي حينها ابا ايبان، والتي تذهب  جميعها إلى أن إسرائيل لن تكون وحدها في صراعها مع مصر،  وأن تل أبيب تستطيع أن تعتمد على جونسون شخصياً، كما أنه لن ينكص عن وعوده تجاهها، لكن لا يريد –أي جونسون- أن يترك ثغرة لاحتمال تدخل سوفياتي.

كان الجهد الأميركي دؤوبا بأن تتحرك الأمور في الشرق الاوسط نحو صراع عسكري تنزلق إليه القاهرة ودمشق، حتى تستطيع الولايات المتحدة واسرائيل أن تلقن مصر ضربة موجعة وتصفي رؤيتها العربية وتنجح في إقصاء عبد الناصر عن المشهد تماماً.

محطات عديدة جرت في اذار/مارس عام 1967: استدعى عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر لمقابلته، وذلك بعدما وردت إليه تقاير عن علاقة المشير بالفنانة برلنتي عبد الحميد، وعاتبه عبد الناصر كثيراً على ذلك الأمر، ولكنه مرة أخرى، لم يستطع اتخاذ القرار السليم في إبعاده عن المشهد، وربما كان الأمر في تلك الأثناء أكثر صعوبة، فقد أضحى المشير مسيطراً بأكثر مما ينبغي على مقاليد الجيش، وأصبح من دون مبالغة يناطح عبد الناصر على رأس عدد من قيادات الجيش والمخابرات. هذا الأمر أثار قلق عبد الناصر طيلة سنوات 1963 – 1967، وحاول أكثر من مرة معالجته، مرة بفريق رئاسي، ومرات بالتحدث إلى المشير مباشرة دون جدوى، بينما جفت قنوات الاتصال والتواصل بين القائد الأعلى وقيادة الجيش.

كان لأبا ايبان حديث مع الرئيس الأميركي جونسون، قبل الحرب، يبدو في منتهى الأهمية: أبدى ايبان ضيقه من أي شيء يصدر عن الأمم المتحدة. وأضاف أن تجارب إسرائيل مع الأمم المتحدة كان أسوأها ما جرى في العام 1956… ورد عليه جونسون قائلاً الى أن سنة 1967 ليست هي 1956.

وربما، جمال عبد الناصر فاته أيضاً، أن ما جرى في تاريخ “العدوان الثلاثي”، لم يعد صالحاً ومجدياً في العام 1967، إذ لم تعد الأمور كما كانت…. وباقي الحكاية معروف للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق