مجلة الكترونية عربية مستقلة

هل تتجه إسرائيل وإيران نحو مواجهة مباشرة في سوريا؟

يوماً بعد يوم، تنخرط إسرائيل أكثر فأكثر، وعلى نحو مباشر، في الصراع الدائر في سوريا، في ظل ما يشهده الصراع السوري من تطوّرات متسارعة، أعادت خلط الأوراق، التي تتجاوز جبهات القتال المحلية، باتجاه جبهات سياسية اقليمية.

صحيح أن إسرائيل دخلت على خط الصراع السوري منذ بداياته، إلا أن تحرّكاتها العسكرية، سواء الآنية أو المستقبلية، باتت تنطلق من رهاب هستيري، يتمثل في ماحققته إيران من مكاسب استراتيجية عابرة للحدود.

بشكل عام، تنطلق إسرائيل في مقاربتها للتطوّرات الميدانية والسياسية في سوريا، من حقيقة أن إيران تقترب من بسط هيمنتها على الشرق الاوسط، وتهيئة الظروف لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

والواقع أن إسرائيل لم تكتف بالرصد والترقّب، فقد انخرطت مباشرة، ولكن بحذر شديد، في الحرب السورية، حين قامت طائراتها بضرب مواقع لـ”حزب الله”، ومرافق للنظام السوري، ناهيك عن عدد من القوافل، وذلك لعشرات المرّات، خلال السنوات الماضية، بذريعة  منع نقل أنظمة الأسلحة من إيران إلى “حزب الله”.

هذا التدخل الإسرائيلي في الحرب السورية راح يتخذر مساراً تصاعدياً، إن من حيث الشكل، حيث باتت تل أبيب تعترف صراحة بتوجيهها ضربات هنا أو هناك، خلافاً لما كانت عليه الحال في السنوات الأولى للصراع السوري؛ أو من حيث توسيع نطاق الأهداف، كما حدث فجر السابع من أيلول/سبتمبر الحالي، حين أغارت الطائرات الإسرائيلية على منشأة تصنيع عسكرية سورية بالقرب من بلدة مصياف.

ولعلّ ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، في أول تعليق رسمي على غارة مصياف، يعكس بشكل او بآخر ، بعضاً من جوانب السياسة الإسرائيلية في سوريا، إذ قال: “كل يوم هناك تفجيرات وقتلى في سوريا، وهذا شأن سوري خاص لا دخل لنا به، لكن علينا أن نعتنى بأمننا، وهذا بالضبط ما نقوم به”، مضيفاً “إننا لا نسعى إلى مغامرة عسكرية، ولكننا عازمون على منع أعدائنا من ضرب، أو حتى خلق محاولة لضرب وتهديد أمن مواطني إسرائيل”.

ولفت ليبرمان، الذي يتولى أيضا رئاسة حزب “بيتنا إسرائيل” اليميني المتطرف، إلى “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية، مؤكدا: “سنفعل كل ما بوسعنا كي نمنع إقامة ممر شيعي من إيران إلى سوريا”.

وأضاف أن “إسرائيل تأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات والفرص في الشرق الأوسط، وللأسف، كل شيء قابل للحدوث، ولذا فإن إسرائيل على أهبة الاستعداد لكل سيناريو”.

المثير للانتباه، في هذا السياق، أن الغارة على مصياف قد جاءت بعد جولة من الاتصالات الدبلوماسية، خلص فيها المسؤولون الإسرائيليون إلى أن مخاوفهم بشأن الوضع المتطور في سوريا لا يتم التعامل معها بجدية كافية من قبل الولايات المتحدة أو روسيا.

هذه الاتصالات الدبلوماسية جاءت على خطين: في الخط الأول، قام وفد رفيع المستوى من جهاز الموساد برئاسة يوسى كوهين بزارة لواشنطن في أواخر آب/أغسطس. وفي الخط الثاني، زار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي.

وفي كلتا الحالتين، أصيب الإسرائيليون بخيبة الأمل إزاء الرد الأميركي والروسي، فالطرفين اللذين باتت التطوّرات السورية مرتبطة بتفاهماتهما أو اختلافاتهما، تجاهلا القلق الإسرائيلي بشأن الطموحات الإيرانية في سوريا. وانطلاقاً من ذلك، فإنّ التسريبات الإسرائيلة تفيد بأن تل أبيب ستكون مضطرة للتعامل مع الموقف بمفردها.

ويندرج القلق الإسرائيلي إزاء التطورات الجارية في سوريا ضمن مستويين، الأول يتعلق بالجولان السوري المحتل، والثاني بالتقدّم العسكري الاستراتيجي الذي يحققه الجيش السوري وحلفاؤه – ومن ضمنهم بطبيعة الحال إيران – باتجاه منطقة الحدود السورية – العراقية.

وعلى المستوى الأول، فإنّ ما يثير قلق الإسرائيليين هو وجود قوات إيرانية على مقربة من الجزء المحتل من هضبة الجولان، بما في ذلك معبر القنيطرة، إذ تخشى إسرائيل وجود رغبة لدى إيران و”حزب الله” في تحويل هذه المنطقة الحيوية إلى خط ثان للمواجهة النشطة ضد الدولة العبرية، إلى جانب جنوب لبنان.

وأما المستوى الثاني، فيرتبط بوصول القوات المؤيدة لإيران إلى معبر بوكمال على الحدود السورية العراقية. وتعتقد إسرائيل أن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى ممر بري إيراني باتجاه لبنان وجنوب سوريا.

في العموم، يبدو أن التحرّكات الإسرائيلية إزاء تلك التطوّرات تجري على مستويين:

المستوى الأول، اتخذ شكل هجمات لمنع تشكيل بنية تحتية شبه عسكرية على تخوم الجولان المحتل. وفي هذا الإطار، يمكن الحديث عن العملية الأكثر خطورة التي نفذتها اسرائيل، والمتمثلة في اغتيال جهاد مغنية، ابن القائد العسكري البارز في “حزب الله” عماد مغنية – والذي سبق أن اغتيل في سوريا قبل بدء الأزمة السورية بعامين – في غارة جوية استهدفت مدينة القنيطرة في كانون الثاني/يناير العام 2015، وأدت إلى مقتل خمسة آخرين، بينهم مسؤول في الحرس الثوري الإيراني.

وأما المستوى الثاني، فهو انخراط إسرائيل في علاقات براغماتية مع مجموعات مسلحة محلية، لا تزال تسيطر حاليا على الجزء الأكبر من المنطقة الحدودية، على غرار جماعة “فرسان الجولان”. ويرتكز هذا التعاون على معالجة المقاتلين الجرحى والمدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية والمساعدة المالية. وربما تكون هناك أيضاً مساعدة في مجال الاستخبارات، في حين لا توجد أدلّة بعد على توفير الأسلحة مباشرة أو غير مباشرة.

وعلى صعيد آخر، تواصل إسرائيل تحرّكها، عبر قنوات متعددة، أبرزها الحليف الأميركي، الذي توصل في التاسع من تموز/يوليو الماضي، إلى تفاهمات مع الجانب الروسي أثمر إعلاناً عن اتفاق لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا. ويفترض هذا الاتفاق تشكيل منطقة خفض تصعيد في منطقتي القنيطرة ودرعا، لا تزال المفاوضات جارية بشأن ترتيباتها، ومع ذلك، فإنّ إسرائيل تشعر بقلق عميق من احتمال أن تتعقد المفاوضات بشكل خطير، بما يؤدي إلى تبدّد الضمانات التي حصلت عليها من الحليف الأميركي بشكل خاص، إزاء محاولات التسلل الإيرانية، خصوصاً أن موازين القوى في الصراع السوري تتبدّل بشكل سريع، لصالح ما بات يسمّى بـ”محور المقاومة”.

هذه المخاوف عززها خطاب ألقاه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، وأشار فيه إلى أن حرباً مستقبلية مع إسرائيل قد تشارك فيها مجموعات مسلّحة من بلدان أخرى.

وفي هذا الإطار، فإن إسرائيل ترى أن اتفاق مناطق خفض التصعيد ليس فيه ما يكفي لضمان مصالحها، فالبنسبة إليها، لا يمكن الاقتصار على منع وجود الحرس الثوري و”حزب الله” على مقربة من الجولان، بل أنها تطمح إلى انسحاب “القوات إيرانية” من جميع أنحاء سوريا عموما، لأن وجودها يمنح الجمهورية الإسلامية الفرصة لتطوير برنامجها النووي من سوريا!

وللدالة على ذلك، فإنّ وزير الاستخبارات الاسرائيلي إسرائيل كاتس سبق أن حذر، خلال مؤتمر هرتسيليا الأخير، من أن “الحرب المستقبلية (المحتملة) بين اسرائيل وحزب الله قد تشهد دوراً لميناء بحري ايراني وقواعد للقوات الجوية والبرية الايرانية”.

علاوة على سبق، فإنّ إسرائيل تتعامل مع الاتهامات التي تساق ضد “حزب الله” وإيران، بمحاولة إحداث تغييرات ديموغرافية في سوريا، على أنها مؤشرات مرعبة، ينبغي مراقبتها عن كثب.

ولكن كل ما تقدّم يبقى متمحوراً حول قلق إسرائيلي عام من حدوث تحوّل كبير في ميزان القوى الإقليمي، لصالح المعسكر الذي تقوده إيران.

وبشكل عام، فإنّ إسرائيل تتعامل مع واقع أن الشرق الأوسط بات مقسماً بين أربع كتل واسعة: (1) إيران وحلفاؤها (الشيعة أساساً)، (2) مجموعة فضفاضة من الدول المعارضة لإيران وتضم الأنظمة الاستبدادية العربية (السنّية) في الخليج – في ما عدا قطر – إلى جانب  مجموعة فضفاضة من الدول المعارضة لإيران التي تضم الأنظمة الاستبدادية العربية في الخليج (باستثناء قطر)، إلى جانب مصر والأردن وإسرائيل نفسها، (3) تحالف القوى الإسلامية السنية المحافظة، مثل تركيا وقطر وحماس والإخوان المسلمين والمتمردين العرب السنة في سوريا، و(4) الشبكات الإقليمية للجهادية السلفية السلفية، وأبرزها “الدولة الإسلامية” و”القاعدة”.

ولكن هذه الصورة تنطوي على تبسيط، أبرز ملامحه أن الخط الفاصل بين الإسلاميين السنة المحافظين والسلفيين كان دائما غير واضح. علاوة على ذلك، فإن ثمة خطاً آخر غير واضح، يتمثل في خيارات بعض الحكام العرب، مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتعاطف مع الرئيس السوري بشار الأسد.

علاوة على ذلك، فإن المشهد الإقليمي يتبدّل على نحو كبير، خصوصاً بعد الضربة التي تعرّض لها الإسلام السياسي السنّي، بعد عصره الذهبي القصير جداً، في خضم ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”. ولا شك في أن التحوّلات الدراماتيكية التي شهدتها الأعوام الأربعة الماضية، جعل الإسلام السياسي يتراجع إلى مستوى متدهور للغاية، لصالح المعسكرين الآخرين المتمثلين في الأنظمة الاستبدادية والمعسكر الإيراني. وعلى هذا الأساس، نرى أن حركة “حماس” تسعى اليوم إلى إعادة بناء علاقاتها مع إيران، ولم يعد هنالك أي تأثير لجماعة “الإخوان المسلمين” في المشهد المصري، كما أن الإسلاميين باتوا أقلية في الحكومة التونسية، في حين قطر تتعرض لهجوم من السعودية والإمارات العربية المتحدة بسبب مواقفها في السنوات الأخيرة. وأما المتمردين العرب (السنّة) السوريين، فتقطعت بهم السبل الآن، وهم يحاولون القتال لمجرّد البقاء، بعدما بات هدف إسقاط الرئيس بشار الأسد سراباً. أضف إلى ذلك أن الحركة السلفية تشهد كسوفاً على الأقل في الجانب السياسي.

ومن وجهة نظر إسرائيلية، فإنّ إلى الشرق الأوسط يعود تدريجياً إلى مرحلة ما قبل العام 2011، ولكن في ظل وجود عامل تعقيد إضافي يتمثل في الوجود الروسي المباشر مباشر في بلاد الشام، في تحالف – أو على الأقل تعاون – مع من تصفهم إسرائيل بـ”الأعداء”.

هذا ما تلمّسه الإسرائيليون بعد لقاء سوتشي، الذي جمع الرئيس فلاديمير بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي وصفته الصحف العبرية بـ”القمة الفاشلة”.

وكان موقع “برافدا” الروسي قد عرض مشهد لقاء سوتشي على نحو مثير للاهتمام، حين أشار إلى ان “نتنياهو وصل إلى موسكو وجلس مع بوتين وهو يتصبب عرقاً خلال وصفه لما تفعله إيران في سوريا والفزع الذي تسببه لإسرائيل، لكن بوتين كان يتنهد بتعاطف وكأنه يقول لضيفه الإسرائيلي: للأسف لا يمكن لروسيا مساعدتكم بشيء”.

وبحسب ما أوردته “برافدا”، بعد لقاء سوتشي، فإن رؤية روسيا تنطلق من أن إيران هي الحليف الوحيد لها اليوم في مواجهة الآخرين، كما أنها الدولة الوحيدة التي تقف في وجه “ممالك الخليج الغنية” وتفشل محاولات تشكيل “ناتو عربي” تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى تغيير قواعد اللعبة التي تريدها في الشرق الأوسط.

ولكن المأزق الاسرائيلي لا يقتصر على الموقف الروسي الفاتر من مطالبات نتنياهو الملحّة، فحتى الولايات المتحدة لم تعد كما كانت من قبل بالنسبة إلى إسرائيل، فإدارة الرئيس دونالد ترامب تركز حصراً على الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، لم تفعل شيئا يذكر لتهدئة المخاوف الإسرائيلية.

وبالرغم من أن الإدارة الأميركية تتشارك التقييم الإسرائيلي في ما يتعلق بتحدي الطموحات الإقليمية الإيرانية، إلا أن تل أبيب تشكو من أن واشنطن قد لا تكون مركزة بما فيه الكفاية أو المعنية لاتخاذ التدابير اللازمة لوقف التقدم الإيراني – العسكري والسياسي – في سوريا أو العراق أو لبنان.

انطلاقاً مما سبق فإن خلاصة ما يمكن قراءته في التقارير والتسريبات الصحافية الإسرائيلية والغربية، يشي بأن إسرائيل ستعمل خلال الفترة المقبلة على خطين:

الأول، مواصلة الاتصالات الدبلوماسية المكثفة، خصوصاً مع الولايات المتحدة، في محاولة لاقناع إدارة ترامب بالتشدد إزاء التطوّرات الجارية في سوريا.

والثاني، الانخراط أكثر في عمليات عسكرية (ضربات جوية على وجه الخصوص) على أهداف محددة في سوريا… مع الاستعداد للسيناريو الأخطر، المتمثل في احتمال أن يؤدي تطوّر الأحداث إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

Leave A Reply

Your email address will not be published.