ثقافة

هل نتحرّر من واجب الإغواء وإثارة الإعجاب؟

 

 

هل نتحرر من واجب الإغواء وإثارة الإعجاب؟

 

 

عيسى مخلوف*

 

 

هل هذه الحرية في متناول الجميع؟

 

بجرأة نادرة تتحدّث الروائيّة والكاتبة الفرنسيّة كريستين جورديس عن الشيخوخة وعن نظرة المجتمعات الحديثة للمسنّين في كتابها الجديد الصادر تحت عنوان “فصول الخريف”. فما إن يبلغ المرء سنًّا معيّنة حتّى يتربّص به نوعان من التجّار: أصحاب شركات دفن الموتى الذين يقدّمون عروضهم لتوفير “جنازة محترمة بأسعار مغرية”، وأولئك الذين يبيعون أوهامَ الحفاظ على شباب دائم.

تلاحظ كريستين جورديس أنّ الإنسان، مع التقدّم في العمر وتراكم التّجارب، يتخلّص من عوائق عدّة. تتغيّر نظرته إلى الوقت ويقترب من ذاته بصورة أعمق. والأهمّ من كلّ ذلك، بالنسبة إليها، أنّه يتخلّص من طغيان نظرة الآخر، ومن عيون المرايا. تقول: “تلك النظرة ما عادت تعني لي شيئًا الآن. يتملّكني شعور بالرّاحة وبالتحرُّر. التحرُّر من واجب الإغواء وإثارة الإعجاب وكسب الرِّضا”…

هل من السَّهل بلوغ لحظة “الحرّيّة” هذه؟ وهل هي في متناول الجميع؟

 

 

قبل أن يسافر صلاح* (* يقصد الكاتب صديقه صلاح ستيتية الشاعر والدبلوماسي اللبناني الذي صار أحد الكتاب الفرنكوفونيين الكبار) إلى بيروت للمشاركة في معرض الكتاب الفرنكوفوني، اتّصل بي في الصباح الباكر وهو يقول: “ألا تريد أن تزور القبر؟”.

–  أيّ قبر؟ طرحتُ السؤال وأنا لا أزال بين النّوم واليقظة، أفرك عينيّ وأنظر حولي لأتأكّد ممّا إذا كنتُ قد صحوتُ فعلاً أو أنّني أحلم.

– قبري في قرية “ترامبلي سور مولدر”. ما بالكَ، هل نسيت؟ البنّاؤون انتهوا من البناء والقبر أصبح جاهزاً.
– أخبرتَني بذلك الأسبوع الماضي.

– لا، هذه المرّة وضعوا شاهدة القبر وعليها اسمي. لقد اكتمل كلّ شيء.

ثمّ أضاف بنبرة لا تخلو من اعتزاز: “بْرَحْمة أُمّي، هو أحد أجمل القبور في العالم. ستتأكّد من كلامي عندما تأتي”.

وقبل أن يتابع وصفه المقبرة ورخامها الأسود النادر، وجدتُ نفسي أُتمتم بهذه الكلمات: لكنّك لا تزال حيًّا يا صلاح، فلمَ العَجَلة؟

– اطمأنّيتُ الآن إلى أنّ كلّ شيء أصبح في مكانه. والقبر، كما أخبرتكَ سابقاً، تقدمة من بلديّة القرية تقديراً لموهبتي ولأعمالي. أشعر بأنّ فرنسا كرّمتني في حياتي وفي موتي.

– لكنّك لم تَمُت بعد يا صديقي، ومضى أكثر من عشر سنين ونحن نتحدّث عن هذا الموضوع.

– معك حقّ. الآخرون هم الذين يموتون. أمس، توفّي جيرار خوري.

ورحتُ أتلفّظ بأسماء أحبّة غادرونا في السنوات القليلة الماضية، فقاطعني صلاح قائلاً:
.””بسيطة، هنّي الشباب وْبيمُوتو

 

 

والعبودية السياسية؟

 

ضحايا العبوديّة في العالم اليوم يناهز عددهم الأربعين مليونًا، بحسب تقرير المنظّمة المختصّة بمحاربة العبوديّة وتجارة الرّقيق في زماننا الرّاهن Walk Free Foundation الصادر في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي.

يشكّل الأطفال ربع هؤلاء، وتفوق نسبة النساء السبعين بالمئة. وإذا كانت الغالبيّة تعيش بين آسيا والمحيط الهادئ (25 مليوناً)، فإن هذه الظاهرة تشمل، وبنسب متفاوتة، القارات الخمس.

في السنوات الخمس الأخيرة، بلغ عدد الذين استُعبِدوا، بشكل أو بآخر، ولفترة تتراوح بين بضعة أيّام وعدّة سنوات، ٨٩ مليون شخص.

يشير التقرير أيضاً إلى حالات الزّواج القسريّ بصفته أحد أشكال العبوديّة الجنسيّة، لكنّه، للأسف، لا يلتفت إلى ضحايا العبوديّة السياسيّة، أم أنّ هذا النّوع من العبوديّة أمر مفروغ منه؟

أيّ حرّيّة هي التي ننادي بها، وكيف نستردّ الرّجاء لكلّ هذه الحضارات الملطَّخة بالاستغلال والقهر، ماضياً وحاضراً؟

إلغاء الرِّقّ لم يكن نهاية الرِّقّ، وما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بهذا الصّدد، مجرّد حبر على ورق في مناطق كثيرة من العالم.

العبوديّة ليست فقط مصادرة حرّيّة الآخر والاستئثار بقوّة عمله، بل هي أيضاً امتلاك إرادته واعتقال أحلامه وتفريغه من بُعْده الإنسانيّ والاستيلاء على وجوده بالكامل…

 

 

عيسى مخلوف

 

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق