مجلة الكترونية عربية مستقلة

علماء الأعصاب والسؤال المُرعب: هل يعاني ترامب من خلل دماغي؟!

منذ انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، تزايدت التساؤلات بشأن الصحة الذهنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد أججتها سلوكيات غريبة، باتت تحت مجهر الأطباء النفسيين والمختصين في علم الأعصاب، وهو ما تناوله موقع “ذا اتلاتنتيك” في تقرير مطوّل.

تثير تصريحات دونالد ترامب وتصرّفاته، الكثير من التساؤلات حول قدراته الذهنية، واحتمال أن يكون مصاباً بخلل عصبي.

آخر تلك التصرّفات، تغريدة نشرها الرئيس الأميركي عبر  حسابه على موقع “تويتر”، تباهى خلالها بحجم “الزر النووي” الذي يمتلكه، قياساً إلى ذاك الذي يمتلكه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون.

تلك التغريدة قوبلت بانتقدات حادة، ركّزت على النزعة العدائية والمتهوّرة لدونالد ترامب، وذلك في سياق واسع من المواقف القلقة إزاء سلوك ذلك الرجل الغريب الأطوار الذي يمسك بزمام الحكم في الولايات المتحدة.

وفي الواقع، فإنّ سلوكيات ترامب، التي تزاوج بين جنون العظمة والتهوّر، كانت موضع تخمينات متفاوتة، من قبل اختصاصيين في الصحة النفسية، وضعوا تصرّفات الرئيس الأميركي تحت المجهر، وذلك فور انتخابه رئيساً للولايات المتحدة في أواخر العام 2016.

ولكنّ بعد بضعة أشهر على هذا الجدل المتواصل، يبدو أن أولئك المختصين قد وصلوا إلى قناعة علمية، مفادها أن العلوم المعرفية قد تكون عاجزة عن تفسير سلوكيات ترامب، وأن ثمة حاجة إلى مقاربتها انطلاقاً من تقييم علمي يتجاوز التخمينات النفسية، عبر اللجوء إلى علم الأعصاب.

انطلاقاً من ذلك، بدأ البعض يراقب باهتمام سلوكيات شاذة بسيطة في حركات ترامب خلال الآونة الأخيرة، كان أحدها في شهر تشرين الثاني الماضي، حين استخدم الرئيس الأميركي يده الحرّة، ليثبّت زجاجة صغيرة من المياه المعدنية، شرب منها مباشرة، بدلاً من الكوب، خلال إلقائه أحد خطاباته، وهو تصرّف وصفه البعض بـ”المحرج”، وأطلق العنان لحملات من السخرية في الولايات المتحدة، استذكر خلالها البعض انتقاد ترامب لمنافسه السيناتور ماركو روبيو، خلال الحملة التمهيدية لانتخابات الرئاسة، حين عاب عليه شرب الماء خلال إلقائه خطاب انتخابي.

وعلى سبيل المقارنة، فإنّ حركة روبيو، بخلاف ترامب، جاءت حينها على نحو سلس، وخال من أي جهد. وفي هذا السياق، لاحظ السيناتور الأميركي أن ترامب كان يحدّق في زجاجة الماء، قبل أن يجلبها ببطء نحو شفتيه، ثم علّق على تصرّف الرئيس بالقول إنه “يحتاج إلى الاهتمام بشكله”، موجهاً إليه نصائح عدّة، من بينها أن يقوم بـ”حركة واحدة”، و”ألا تترك عيناه الكاميرا”.

وفي موقف مماثل، لاحظ المراقبون كيف التقط ترامب كوباً من المياه بكلتا يديه، خلال خطاب ألقاه في واشنطن، في شهر كانون الأول الماضي، لشرح خطته الأمنية الوطنية، فقد ظل الرئيس الاميركي ممسكاً بالكوب ليبدو أشبه بشخص يشعر بالبرد ويحتضن بيديه كوباً من الشوكولاتة الساخنة، حتى أن البعض شبّهه بطفل يحاول تعلم كيفية التعامل مع الكوب!

بعد أيام، ظهر أمر غريب آخر  عند إلقاء ترامب الخطاب الذي أعلن خلاله عن نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، إذ كان من الصعب فهم ما يقوله الرئيس الأميركي، على المستوى الصوتي، وهو أمر لم يطمئن العديد من المراقبين لجهة سلامة هذا القرار الحساس والمثير للجدل في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

هذا الموقف الغامض دفع بالخبراء إلى التحدّث بصراحة. من بين هؤلاء جراح الأعصاب سانجاي غوبتا، الذي قال إنه “كان واضحاً وجود بعض التشوّهات في الخطاب”، لافتاً إلى أن تشوّهات من هذا القبيل، أسبابها متعددة، وهي تتراوح بين جفاف الفم، واختلال وضعية الأسنان، وصولاً إلى السكتة الدماغية الحادة.

كان واضحاً وجود بعض التشوّهات في خطاب ترامب حول القدس

وبالرغم من أن تلك التصرّفات ما زالت متقصرة على لحظات عابرة، إلا أنها بدأت تسترعي الانتباه إلى الغياب المثير للقلق لنظام تقييم اللياقة الصحية للمسؤولين المنتخبين، وهو نظام من شأنه أن يطمئن الأميركيين إلى انّ “زعيم العالم الحر” لا يعاني من مشاكل إدراكية، وأن وضعه النفسي والصحي لا يسير على طريق التدهور.

والجدير بالذكر أن مقترحات عدّة بشأن نظام تقييم اللياقة الصحّية قدّمت في الماضي، لكنها لم تحظَ باهتمام جدي، ذلك  أن مهمات رئيس الجمهورية في تاريخ الولايات المتحدة لم تكن على النحو الذي نعرفه اليوم، ففي مراحل كتابة الدستور الأميركي، لم يكن هناك رئيس على شاكلة الرؤساء الحاليين، القادرين على اتخاذ قرار من جانب واحدة بتدمير قارة… أو حتى الكوكب بأكلمه.

غياب نظام تقييم اللياقة الصحية للرئيس الأميركي بات أكثر  إثارة للقلق مع زيادة متوسط عمر الرؤساء الحاليين.

ويشترط الدستور الأميركي حدّاً أدنى لعمر الرئيس لكنه لا يأتي على ذكر حدّ أعلى.

ويبدو أن الامر كان يعود بالأساس إلى أن القادة السبعينيين كانوا من الحالات النادرة في الحياة السياسية وقت كتابة الدستور الأميركي.



أماّ اليوم فالأمر مختلف، فالمرشحون الثلاثة الأوائل للانتخابات الرئاسية الأخيرة، كانوا يبلغون من العمر 69 و70 و75 عاماً، على التوالي، وبحلول موعد التنصيب المقبل في العام 2021، سيكون رئيس مثل جو بايدن قد بلغ الثامنة والسبعين عاماً من العمر.

ومن الثابت علمياً، أنه بعد سن الأربعين، يبدأ حجم الدماغ في التقلّص بمعدّل خمسة في المئة في كل عقد، وتكون الخسارة الأكثر وضوحاً في الفص الجبهي، وهو الجزء الدماغي الذي يتحكّم في أداء المحرّكات، التي تسمح على سبيل المثال بتوجيه اليد إلى الكوب، أو توجيه الكأس إلى الفم، حتى من دون استخدام حاسة النظر في معظم الحالات.

هذه الفصوص الدماغية مسؤولة أيضاً عن التحكم في العمليات الأكثر أهمية، ابتداءاً باللغة، مروراً الحكم على الأشياء، وصولاً إلى خيارات الاندفاع.

ويواجه كل البشر درجة معينة من التدهور المعرفي والحركي مع تقدّم العمر، كما أن نحو 8.8 في المئة من الأميركيين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً، يعانون من أحد أشكال الخرف.

وفي الغالب فإنّ ثمة فحوصات طبية سنوية يجريها الرؤساء الأميركيون في “مركز والتر ريد الطبي العسكري”، والموعد المحدد لترامب لهذا الغرض، هو يوم الجمعة 12 كانون الثاني الحالي،

ولكنّ تلك الفحوصات تقتصر على الجانب البدني – ضغط الدم والوزن وما شابه – وهي ضئيلة الأهمية مقارنة بالفحوصات المرتبطة بالجانب العصبي والنفسي، والتي يمكنها الكشف عن الوضع الصحي لرئيس أميركي قد يعاني من هلوسات حادة، تجعله مهووساً بشن هجوم نووي بناء على معلومات استخباراتية حصل عليها للتو من مغني الروك الراحل ديفيد باوي!

حتى وإن تم إجراء الفحوصات النفسية والعصبية بشكل طوعي، فلا تشريع يُلزم بنشر نتائجها. وفي حال سرّب الأطباء النفسيون تلك النتائج إلى الإعلام، فسينظر إليها باعتبارها أكاذيب سياسية، وسيكون من الصعب إقناع المواطنين الأميركيين بأنّ هؤلاء الأطباء لا يكذبون، أو أنهم ليسوا مجرّد “خونة” ليبراليين.

ولا بد من التذكير أن التقليل من أهمية الحالة العصبية للرئيس الاميركي كانت له سوابق خطيرة في الماضي، فقد أخفى فرانكلين ديلانو روزفلت إصابته بشلل الأطفال، حتى لا يظهر رئيساً “ضعيفاً” أو “عاجزاً”.

ولهذا الغرض، حرص الرئيس الراحل على تنظيم مسيرات شعبية، كان يسير فيها شخصياً، مع إخفاء حقيقة اتكائه على مساعدين يحيطون به، أو على عكاز سرّي، كما تمّ تخصيص فريق من الخدمة السرية للتدخل بسرعة في حال حاول أي شخص التقاط صورة للرئيس في البيت الأبيض تحوي ما يمكن أن يظهر شلل الرئيس.

ثمة سوابق بشأن إصابة رؤساء أميركا بأمراص عصبية

في تلك الفترة، عبثاً حاولت الصحافة الأميركية توثيق الوضع الصحي لروزفيلت، قبل تنصيبه.  ففي العام 1931، تساءلت مجلة “ليبرتي”: “هل كان الرئيس فرانكلين روزفلت متمتعاً باللياقة الجسدية التي تؤهله أن يكون رئيساً؟”، متحدثة عن شلله بالقول “من المحتمل أن يكون الرئيس القادم للولايات المتحدة عاجزاً”. أما مجلة “تايم”، فتحدثت في ذلك الوقت عن الاستعدادات لاستقبال الرئيس الجديد بالقول: “بسبب وضع الرئيس المنتخب، فإنّ سلالم قصيرة ستحل مكان الدرجات في الباب الخلفي للمكاتب التنفيذية المؤدية إلى البيت الأبيض”.

في يومنا هذا، ثمة وسائل عدّة للتعرف إلى الوضع العصبي للانسان بكل تفاصيله، ولكن لسوء الحظ، فإنّ السجل الطبي الوحيد المتاح لتهدئة المخاوف العالمية بشأن الحالة العصبية للرئيس الحالي يتمثل في شهادة هارولد بورنشتين، أشهر أطباء أمراض الجهاز الهضمي في مانهاتن، والذي وصف في مذكرته الأولية بشأن دونالد ترامب، البالغ من العمر 71 عاماً، بأنه “أصح الرؤساء الذين انتخبوا على الإطلاق”، وهي عبارة بالغة الغرابة، تجعل المرء يظنّ أن ترامب كتبها بنفسه!

ومع ذلك، فإنّ ثمة مؤشراً أساسياً يمكن الركون إليه للتعرف إلى الحالة العصبية لترامب، وهو اسلوبه الميمز في تقطيع الكلام، والذي كان محط مراقبة المختصين في مجال الطب العصبي.

وفي السابق، كان ترامب يتحدث بكلام متّسق، وكانت حكاياته تشتمل على مقدمة ومتن وخاتمة، لكنه بات في الوقت الحالي، يتنقل سريعاً بين فكرة وأخرى، ويستند إلى مجموعة صغيرة وثابتة من المفردات، غالباً ما تقوم على  صيغة التفضيل، فنسبة عالية من مفرداته تصف الأشياء باعتبارها “أسوأ” أو “أفضل” ما عرفه على الإطلاق، أو “رهيبة للغاية” أو “بالغة الصغر” أو “ضخمة”.

الفصوص الأمامية في الدماغ  قد تكون السبب في هذه التغيرات، لكونها الجزء الذي يتحكم بالكلام، وعلى مر السنين، تراجعت الطلاقة في لغة دونالد ترامب،وصارت مفرداته مختلفة.

وعلى هذا الاساس، فقد قدّم الصحافي شارون بيغلي، في أيار الماضي، تحليلاً تناول التغيّرات في أنماط خطاب ترامب، في مقابلاته المتعددة على مر السنين. وخلص بيغلي إلى أن ترامب كان يستخدم في الثمانينات والتسعينيات عبارات أكثر تنوعاً وتعبيراً عن أفكار واضحة، على غرار “ذكاء فطري” و”هذه هي الكازينوهات الوحيدة التي تم تقييمها”… و”أعتقد أن جيسي جاكسون صنع الفخر لنفسه”، وغيرها.

ويعلّق بن ميخائيلز، وهو طبيب نفسي مختص بتحليل الكلام في التقييمات المعرفية التي تجري في الدعاوى القضائية، على خطاب ترامب بالقول إن “ثمة انخفاضاً معيناً في الأدء المعرفي المتوقع” من الرئيس الأميركي، لافتاً إلى أنّ الأخير يظهر ا”انخفاضاً واضحاً في التطور اللغوي مع مرور الوقت” .

وبالرغم من أنه ليس كافياً تشخيص حالات ذهنية أو عصبية، من قبيل الخرف، استناداً إلى أنماط الكلام وحدها، إلا ان ذلك قد يكون مفيداً في رصد التغيرات التي تظهر في المراحل المبكرة من مرض “الزهايمر”.

التغيرات في أنماط الكلام لدى ترامب تذكر بتدهور حالة رونالد ريغن

ولطالما شبه ترامب نفسه برونالد ريغن، وعلى هذا الأساس، يبدو مفيداً إجراء مقارنة بين التغييرات في خطاب الرئيس الحالي، بتلك التي لوحظت لدى الرئيس الراحل.

ومع أن تشخيص إصابة ريغن بـ”الزهايمر” لم يجرِ إلا في العام 1994، إلا أن ثمة من رصد ذلك التغييرات اللغوية لديه، على مدار فترة رئاسته، والتي قال الخبراء أنها كانت مؤشراً على الدهور المبكر، فقد ساءت قواعدُه اللغوية، وكانت جمله في كثير من الأحيان غير مكتملة.

بعد تشخيص مرض ريغن، دق الرئيس الأسبق جيمي كارتر ناقوس الخطر إزاء عدم وجود نظام لفحص هذا النوع من الضعف الإدراكي لدى الرؤساء الأميركيين.

وكتب كاتر، في مجلة “الجمعية الطبية الاميركية” إن “الكثير من الناس قد أثاروا انتباهي الى الخطر المستمر على أمتنا إزاء احتمال أن يصبح الرئيس الاميركي معوّقاً، وخاصة بسبب مرض عصبي، لا سيما أن التعديل الخامس والعشرين على النص (الدستوري) حدّد الإعاقة بحالة عدم قدرة الرئيس على مزاولة مهامه”.

والواقع أن تعديل العام 1967 وضع عملية لنقل السلطة إلى نائب الرئيس في حالة عدم قدرة الرئيس على أداء مهامه بسبب المرض، ولكن ذلك يفترض عموماً أن يكون الرئيس مستعداً لإجراء اختبارات تشخيص، وأن يكون متحرراً من أية قيود ي هذا الإطار. وبطبيعة الحال، فإنّ ذلك لا يمكن أن يحدث مع رئيس يعاني من حالة إنكار، أو اضطراب نفسي من قبيل جنون العظمة والهوس بالمنصب والنفور الشديد من الانتقادات.

ولا يمكن أن يحدث ذلك طبيعة الحال، إذا كان التقييم الطبي الوحيد للصحة النفسية والجسدية للرئيس صادراً عن شخص مثل هارولد بورنشتاين، الذي تجاوز أبسط معايير الموضوعية، حين جعل دونالد ترامب على المستوى الصحي أفضل من ثيودور روزفلت، الذي انتخب رئيساً للولايات المتحدة في سن الثانية و الأربعين، وتولى منصبه بعد قيادة فرقة فرسان متطوعين، ودعا الناس إلى مباريات ملاكمة في البيت الأبيض، ثم أنفق وقتاً كبيراً، بعد انتهاء فترة رئاسته، على رحلات كانت تستغرق أشهراً في البراري البرازيلية.

يمكن بذلك فهم دعوة كارتر إلى إنشاء نظام يمكن أن يقيّم صحة الرئيس الاميركي وقدراته بشكل مستقبل، وهو أمر مطبّق على من الشركات – حيث لا توجد صواريخ مدمّرة – التي تشترط إجراء فحوصات بدنية على المتقدمين إلى الوظائف فيها، فكيف الحال حين يتعلق الامر برئيس الولايات المتحدة؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.