غير مصنف

بعد انحسار أرض “الخلافة”… هل يندثر “داعش” ؟

برغم انحسار مناطق سيطرته في سوريا والعراق، لا يزال “داعش” قادراً على التمدّد، لا بل أن الخبراء الأمنيون يقولون إنّ التنظيم التكفيري، كلما ضاق الميدان من حوله، يكتسب ديناميات جديدة، تتجاوز جبهات القتال المباشرة.
وبعد عامين على إعلان “الخلافة”، غداة السيطرة على مناطق واسعة من سوريا والعراق، تنحسر مناطق سيطرة “داعش” في هذين البلدين، فالعمليات العسكرية في الموصل العراقية، “عاصمته” الأولى، باتت ضمن المربعات الأخيرة، بينما يخوض المقاتلون الأكراد عملية واسعة لتحرير مدينة الرقة السورية، “عاصمته” الثانية، بدعم أميركي، في حين باتت معاقله المشتتة في مناطق متفرقة في سوريا هدفاً يومياً للضربات الروسية الفعالة، وهجمات الجيش السوري المتواصلة.
تشي تلك التطورات الميدانية، بأن “داعش” في طريقه إلى فقدان عنصراً جوهرياً لدولته المزعومة، وهو الأرض، التي شكلت الحافز الأساسي لتجرؤ التنظيم التكفيري على إعلان قيام “الخلافة” في سوريا والعراق، واعتبارها نقطة محورية للبقاء والتمدّد.
وإذا كان البعض يرى في هذه الخسارة انتكاسة جذرية لهذا التنظيم الإرهابي، من خلال ضرب مشروع “الدولة الإسلامية”، فإن آخرين ينظرون إلى الأمر بقلق شديد، مؤكدين أن تقلّص مناطق السيطرة “الداعشية” لا يعني بالضرورة الهزيمة الحتمية.
في هذا السياق، تنقل صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” عن شيراز ماهر، نائب مدير “المركز العالمي لدراسة التطرف والعنف السياسي” في “الكلية الملكية” في لندن قوله إن “داعش هو جسم صلب، سائل، وغازي في وقت واحد، وهو قادر على التحوّل من هذه الحالة إلى تلك، إذا ما احتاج إلى ذلك”، مضيفاً “القول إن داعش في طريقه إلى النهاية، أو أن ما يجري هو بداية نهايته، غير صحيح على الإطلاق”.

يتطابق هذا الرأي، مع ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في تعليقه على معلومات سرّبتها وزارة الدفاع الروسية بشأن احتمال مقتل زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي في غارة روسية على تجمع لقادة التنظيم الارهابي قرب الرقة. رئيس الدبلوماسية الروسية أوضح أن “كل الإجراءات المرتبطة بسحق رؤوس المجموعات الإرهابية غالباً ما تقابل بحماسة شديدة… ولكن التجارب تظهر أن تلك الجماعات قادرة على استعادة قدراتها القتالية بعد حين”.
ما سبق تؤكده سلسلة ضربات مخططة بعناية، سعى “داعش” من خلالها إلى تأكيد حضوره في مناطق بعيدة عن جبهات القتال.
ولعلّ صد البروباغندا “الداعشية” تبدو مفيدة لتتبع الخيارات المحتملة للتنظيم التفكيري في ظل انحسار تمدده في ميادين القتال.
قبل عامين، كانت الأشرطة الدعائية التي يبثها “الدواعش” متمحورة حول فكرتين: الأولى، اظهار الوحشية في التعامل مع “الكفار” (مشاهد قطع الرؤوس، واحراق البشر….). والثانية، الترويج لـ”دولة الخلافة” باعتبارها الدولة الموعودة لآلاف الجهاديين حول العالم، مع التركيز على شعار “باقية وتتمدد”.
ولكن منذ أشهر، صارت تلك الأشرطة الدعائية تركز على أمر واحد: التهديد، ثم التهديد، ثم التهديد… بتنفيذ عمليات “انتقامية” أو “رادعة”، سواء ضد الغرب أو ضد بعض المكونات الاجتماعية بعينها، كأقباط مصر على سبيل المثال.
وتنقل صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” عن تقرير ” المركز العالمي لدراسة التطرف والعنف السياسي” إنه في في منتصف العام 2015، كانت 53 في المئة من البروباغندا “الداعشية” موجهة نحو الترويج لـ”الدولة الإسلامية”، في حين لم تكن المواد الداعائية المروّجة للحرب تمثل سوى 39 في المئة، ولكن بحلول شهر شباط/فبراير من العام الحالي، وتحديداً بعد تقدم القوات العراقية في قتالها داخل الموصل، أصبحت ثمانين في المئة من تلك البروباغندا مخصصة للحرب، و14 في المئة فقط لـ”اليوتوبيا”.
ويبدو واضحاً، من خلال إصدارات “داعش”، أن التنظيم التكفيري قد بدأ يعد إرهابييه نفسياً لمرحلة ما بعد تقلّص مناطق السيطرة.
في العدد الأخيرة من مجلة “رومية” الالكترونية، أكد “داعش” ان الخسائر ستدفعه إلى “اذكاء نار الحرب”، وتعهد “باستعادة كل شبر من الاراضي” وتوسيعها.
يُفسر ذلك، مجموعة من التطورات التي شهدتها الأيام القليلة الماضية:
برغم خسارته في الموصل، تمكن “داعش” من تنفيذ هجوم انتحاري في مدينة كربلاء، في التاسع من حزيران/يونيو الحالي، ما أدى إلى مقتل 30 شخصاً على الأقل.
في طهران، تمكن التنظيم التكفيري من تنفيذ عملية مزدوّجة مدوّية، في السابع من حزيران/يونيو، في وسط العاصمة الإيرانية، استهدفت ضريح الإمام الخميني، واقتحام مقر مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، حيث جرى احتجاز عدّة رهائن، وقد انتهت العملية بمقتل وإصابة العشرات.
وفي الفلبين، دخل “داعش” في قتال شرس ضد القوات المسلحة مثل ثلاثة أسابيع، في مدينة ماراوي، حيث يحتجز ما بين 500 إلى ألف مدني كرهائن.
في مدينة مانشستر الانكليزية، تمكن انتحاري من قبل 22 شخصاً في تفجير استهدف حفلة غنائية في 22 أيار/مايو الفائت.
وفي لندن، تمكن ثلاثة إرهابيين من قتل ثمانية أشخاص دهساً أو طعناً بالسكاكين في الثالث من حزيران/يونيو الحالي.
وفي افغانستان، باتت الخلايا “الداعشية” تشكل تهديداً للحكومة المركزية بشكل يفوق التهديد الذي تمثله جماعة ضخمة مثل حركة “طالبان”، وهو ما كشفته على سبيل المثال عملية ارهابية في الحادي والثلاثين من أيار/مايو الفائت، من خلال تفجير سيارة مفخخة في قلب كابول، وأدت إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً.
ومن الواضح أن اتساع نطاق الهجمات التي يشنها “داعش” في الخارج، يسمح للتنظيم التكفيري بالاستمرار في فرض سطوته على المستوى العالمي، حتى وإن خسر على الجبهات الملتهبة من سوريا إلى العراق… وصولاً إلى ليبيا واليمن.
وعلاوة على ذلك، فإن ثمة جانب لا يقل خطورة عن النشاط “الداعشي”، الذي يحوم شبحه حول العالم. ويخشى الكثير من المراقبين أن الفوضى في مناطق القتال الحالية ستستمر، حتى وإن الحقت الهزيمة المدانية بالإرهابيين، خصوصاً في ظل اجواء الشحن المذهبي، والعزف على وتر الاختلافات الطائفية والعرقية، لا سيما في العراق وسوريا، والتي قد تتجدد في مرحلة “ما بعد الخلافة”، والتي من شأنها أن تطيل أمد جماعات مثل “داعش”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق