مدوّنة

وسِّعوا الله!

تَغيَّرت الأزمنة ومعها تَغيَّرَ المعنى الثقافي في العالم… في فرنسا مثلاً، في مجالات الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، انتقلنا، وفي أقلّ من نصف قرن، من سارتر وسيمون دوبوفوار وفوكو وبارت وبورديو وديرّيدا وكلود ليفي ستروس، إلى برنار هنري ليفي وألن فنكلكروت وأندريه غلوكسمان…
في الفنون التشكيلية: من براك وبيكاسو وماتيس وجياكوميتّي وبولياكوف وكْلي وبايكن وهنري مور، إلى جيف كونز وتاكاشي موراكامي وكريستيان بولتانسكي وداميان هيرست الذي بيعت منحوتته “الجمجمة المرصّعة بالألماس” بمئة مليون دولار…
أخيراً، في الأدب: من كافكا وفيرجينيا وولف وتوماس مان ونيكوس كازانتزاكيس وجايمس جويس وهرمان هسّه ومارغريت يورسنار وفولكنر وهمنغواي وماركيز وباث وبورخس وإيف بونفوا، إلى باولو كويلو وميشال ويلبيك ومارك ليفي وبيغبيديه وسالادييه…
لقد ازدادَ عدد الكتّاب وازدادت الجوائز، وأصبح الترويج للكتاب بصفته بضاعة وسلعة، أهمّ من محتوى الكتاب نفسه…
تغيّرت الأزمنة وتغيّر المعنى الثقافي، ولمَ لا؟

الأخطر من الجهل هو أن يكونَ الجاهلُ صاحبَ سلطة.

التدقيق في الحسابات هو ما يعني السوق، وعلى الكاتب اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أن يكون محاسِباً وديبلوماسياً قبل أن يكون كاتباً.
شعار المرحلة: إتقان تسويق الكتابة وليس إتقان الكتابة.

لم يكن البَراز البشري ليصل إلى أطعمة اللبنانيين لولا العَفَن السياسي اللبناني التاريخي المتجذِّر…
وهناك، للأسف، من يتمسّك بهذا البَراز ومن يدافع عن ذاك العفَن!

منذ عقود ونحن نقول ونكرّر: الأنظمة العربية متخلّفة ومفلسة!
لكن، أَإلى هذا الحدّ استطاعت هذه الأنظمة المتخلّفة والمفلسة أن تصمد؟
أَإلى هذا الحدّ استطاعت أن تخدع الواقع، وتشوّه العدل، وتدوس الحرّية وتستبيح القيَم؟
من لا تدجّنه تعتقله، ومن لا تعتقله تنفيه، ومن لا تنفيه تقتله…
وحولنا إعلاميّوها وأبواقها وعملاؤها وكَتَبَة تقاريرها ومنفّذو جرائمها، وبعضهم من الأصدقاء المنادين بالحداثة والمدافعين عن حقوق الإنسان!

كيف نحرّر أوطاناً تستعبدنا كلّ يوم ؟

 

بعض الأساتذة الذين تابعتُ محاضراتهم في الجامعة كنتُ قد تعرّفتُ عليهم من خلال كتبهم، وذلك قبل أن ألتقيهم. وعندما وجدتُ نفسي أمامهم، لاحظتُ أنّ نسبة كبيرة من إجاباتهم على الأسئلة كانت تأتي هي أيضاً من جهة السؤال والتساؤلات، بعيداً عن أيّ رأي جازم، أبديّ ومُطلَق.
في تلك اللحظة من حياتي بدأتُ أكتشف أنّ العالم ينقسم إلى قسمين: الذين يعيشون داخل الإجابات الجاهزة ويشعرون بأنهم يمتلكون الحقيقة، وهم يمثّلون الأكثرية الساحقة من البشر، مقابل أقلّيّة تعيش في قلب السؤال والحسّ النقدي والسعي الدائم إلى الحقيقة. وهذه الأقلّيّة هي التي سجّلت

وتسجّل (وأحياناً على حساب حياتها) تقدّماً فكرياً ومعرفياً في التاريخ الإنساني.
كان هذا أوّل درس تعلّمتُه في السنة الجامعيّة الأولى في باريس، وكنتُ هارباً يومها من الحروب الأهليّة التي لم تنتهِ ظروفها بعد.

“وَسِّعوا الله”، قال أحد أعلام عصر الأنوار في فرنسا، دوني ديدرو. هذه الدعوة التي أطلقها في القرن الثامن عشر كأنّما تُطلَق اليوم بالذات.
“وسِّعوا الله”، أي لا تحشروه في نظرة غيبيّة ضيّقة ولا تحوّلوه أداة ظلم وقهر، ومطيّة لتبرير الجهل والكراهية والقتل.
“وَسِّعوا الله”، أي حاولوا أن تُقاربوه بصورة تحكمها النزعة الإنسانيّة لا الأفكار المسبّقة وغرائز العنف.
“وسِّعوا الله”، أي لا تنزلوا به إلى أقصى دَرَجَات الحضيض كما كانت الحال في أوروبا القرون الوسطى، وكما هي اليوم في قسم كبير من العالم العربي والإسلامي.

تفادياً لاستمرار الرُّعب في مملكة الوحوش، هذه البديهيّات المستحيلة:
أن لا يكون أصحاب السلاح الأقوى أقوى من أصحاب الحقّ والقضيّة العادلة،
أن لا نحتاج إلى مُعتقَد يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة،
أن لا نعتني بتربية الأوهام التي من أجلها نضحّي بالجزء الأكبر من حياتنا
وأن لا نَقتُل لنأكل.
أن نكون أحراراً حتّى في الموت!

 

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق