ثقافة

ومضات ضمن المشهد

ومضات ضمن المشهد

هالة نهرا*

رسالة فائقة التأثير بنعومة المخمل، تعبق برائحة الهال، تغيّر مجرى الأحداث…

 

 

التحديات والحوافز

حين تنفد التحدّيات بمعناها الإيجابي في مرحلةٍ ما، وحين تنتبه إلى أنّ الحوافز تقلّصت حولك، لا بد أن ترسم لنفسك حوافز وتحدّيات جديدة، حتى لا تتبلّد في الروتين فيأكلك. الروتين ذئبٌ. الرتابة والتكرار الميكانيكي يصيّرانك غليظ الذهن، محبطاً أو مكتئباً، فيما أنت خفيف الروح والحركة. أنت الذكيّ المتوقّد الحاذق الفراسة. واحد، إثنان، ثلاثة: إلى الحركة!

هكذا يتحدّث الشجاع إلى نفسه في يومنا هذا.

هكذا أقول لك

ولأنّك طيّبٌ دائماً، ولأنّك كريم النفْس تعطي من قلبك بلا حساب، ولأنك المبادر غالباً، لأنك متواجد عند الحاجة، لأنك مُفضِلٌ، ضجروا من روعة تمامك هؤلاء اللؤماء! صرتَ بالنسبة إلى الأنجاس من تحصيلِ حاصِلٍ. أولئك الذين يسحرهم النقصان في الحركات، يليق بهم ما يسحرهم!

كن عزيزاً لدى أعزائك الذين يقدّرونك بما تستحق من عظيم الاعتبار، نبيلاً مع النبلاء، رافساً أشداق الوقاحة واللؤم عند صغار النفعيين، حذراً وصارماً مع الطفيليين. أيها الحلو… لتكن هذه الجملة موشومة من الآن فصاعداً: لكل مقامٍ مقال. تذكّر أن اللآلِئ والكنوز، التي تحلي شخصيتك وروحك، لا تُرمى أمام الخنازير. بعض الأمثال القديمة نافعٌ وناجع.

خط أحمر

الإيمان شأنٌ شخصيٌّ وخاص جداً يخص الفرد على اعتباره فرداً وليس شأناً عاماً. لا يحقّ لأحد التدخّل في معتقدات الناس وفرض رؤيته ومعتقداته عليهم، أكانوا يؤمنون أو لا يؤمنون أو يؤمنون بأمور أخرى.

الإنسان حرٌّ في ما يؤمن به أو يعتقده والإنسان حرٌّ في تغيير رأيه ومعتقداته ساعة يشاء هو. بإمكانه طبعاً التعبير عما يؤمن به بشرط ألا يفرضه على الآخرين. احترام حرية الآخر واجب لكي يحترم هذا الآخر حرّيتك أنت أيضاً. بدلاً من التقاتل على الماورائيات التي لا تُرى وكيفية سير الحياة الأخرى، لماذا لا تتنافسون على جعل الحياة هنا على هذه الأرض أكثر جمالاً لتليق بإنسانية الإنسان وكرامته؟ مَن لا يؤمن بإنسانية الإنسان عبثاً يؤمن بأيّ أمر آخر.

الأدب ملعبٌ واسعٌ جداً بلا حدٍّ، وعلى اعتبارك أديباً أو شاعراً أيضاً، لا تكون فيه أنت اللاعب فحسب، بل إنه يُصيّر الكرة في ملعبك إن شئت وإن أدركت، ملعب الكلمات والمعاني. الأدب الحقيقي حياةٌ موازية، تُحاذي الحياةَ وتلتقيها، لعِلمك! فمتى تأخذ خيالك وموهبتك على محمل الجد؟

مشهد

إنها تمطر وأنا في الداخل، لا أشعر بشيء، لا حنين ولا سحابات تنده القلب.

ليت الطقس كان أصفى لأرتدي جينزي وسترتي ذات الأكمام القصيرة…

حسناً، سأرتدي جاكيت جلدية حمراء تروقني، وأمتشق مظلة زرقاء مرقّطة من العام الماضي، سأذهب هكذا إلى المقهى، بلامبالاة تجاه هذا الدفق من الماء الذي لا ينقطع كأنه اللانهاية.

لا أعرف سر عدم اكتراثي. كان الطقس يؤثر فيَّ أكثر سابقاً. مع الوقت ننسى أن نتأثر، ونمحو من الغموض غموضاً يعترينا وضباباً، لنحاول ربما أن نعرف ماذا بعد.

وأنتَ… أنت الذي خطرت لتوّك ببالي، وتبقى على حافتَي النسيان والتذكّر… روتين كلماتك – التي لا تزال ترنّ حتى الآن- قاتلٌ مثل ابتسامتك المصطنعة، وإيقاعك الرتيب مثل سلحفاة تنسحب من ذاتها، لا مبادرات سارة، لا أخبار حلوة، ناهيك بدوامة البلد المملة؛ نشرات بليدة، كذب وتكاذب متواصلان، والفيلم معروف سلفاً ورديء ومستمر، والمسرحية بائخة. كل شيء مكشوف، كل شيء.

الواقع يحتاج إلى مسحة من خيالٍ وحنان وسحر وجمال ومزاح، لنحتمله. هذا الجد ينقصه الهزل لأنه هزيل.

لا يهمني – أهمس إلى ذاتي فيما أواصل كأنما لأقنع نفسي- وأتلقى رسائل إلكترونية من أصدقائي الذين أحبهم، بعضهم من الفنانين المعروفين، وبعضهم من عشاق الحياة المغمورين، وبعضهم يائس، رسائل تجمع بين الطلبات والمجاملات والعتاب والدعوات.

في تلك الأثناء، أسمع في الحي صوت بوق سيارة مدوٍّ يخلع طبلة أذني اليمنى ربع ساعة فألعن الساعة التي بقيت فيها هنا، وأتساءل مجدداً: لماذا لم أفكّر في الهجرة إلى بلد راقٍ؟ التخلفّ هنا مريع!

الساعة تجاوزت الواحدة لكنني لست جائعة والحمص بطحينة في البراد.

أنتظرهم… دقائق معدودة ويتربعون ليأكلوا معي قبل أن أذهب لارتشاف الإسبريسو الذي أحبه برفقة أصدقائي في شارعٍ كان يعنيني وصار من فولكلور بيروت الكوسموبوليتي.

بيروت في وسطها وأشيائها المعولمة صارت مثل وسط النمسا، مثل وسط بودابست، مثل وسط سلوفاكيا مع فارقٍ حضاري كبير، شاسع، ومقاهي بيروت لم تعد تتسم بخصوصية ثقافية تُذكر.

يرن هاتفي: شركة تريد بيعي كريمات تجارية لا أحتاجها وأتملّص بوضوح شديد، ثم تأتيني دفعة واحدة سلسلة نكات متنوعة على الواتسآب من ممثّل دمث يحب إضحاكي، قبل أن أتوجه إلى الباب الذي يدقّه أحدهم.

في خضمّ ذلك أتذكّر أن قلبي شبه فارغ ويحتاج إلى من يملأه، ومع ذلك لا أشعر بالفراغ. يا للمفارقة! في بيروت تنتبه إلى الأشياء فجأةً، لا أعرف كيف، وتتعود أن تتعود وأن لا تتعود. في بيروت قد تألف وحدتك مع أنك محاطٌ بنسبة عالية جداً جداً، مثلما تستأنس بصحبة مزاجك المتقلّب ونبضٍ مغاير له طقوسه ومتطلباته ومعاييره.

اليوم، كان المطر مثل عدمه. اليوم، أفكر بغدي بعناد وإصرار بسلاسة مستجدة وانسياب، وأصنع يومي ساعةً ساعة بأحلام صغيرة تليق بي. اليوم، سأذهب إلى السينما ولن آكل الفشار هذه المرة حفاظاً على رشاقتي. رغم الدوشة وامتلاء أيامنا بالأحداث الهامة وغير الهامة، علنا أن نقر: لم نعد في زمن الأحلام الكبرى، فلنعترف جميعاً! النوستالجيا للخائبين، وجرعة من الواقعية تفيد مع ثلاث ملاعق من حلم جيد وحضور واثق ترشّه أمامك مثلما ترش النجوم على طبق الوقت. مَن ذا الذي سيعجبني وسط هذه الزحمة – أتساءل- ؟ لا بد أن يكون لافتاً بطريقةٍ ما… بمعزل عن ذلك، لا زلت محتارة بين فيلم “أكشن” وفيلم رومانسي وفيلم كوميدي، لعلني أميل إلى الخيارين الأوّلين معاً. ها هم ينادونني! سأذهب بسرعة. اليوم ينقضي سريعاً جداً، وغداً يومٌ آخر…

هي ذي الغزارة تغمرني

هو ذا نشيدٌ جديد للحياة يبدأ الآن ولا يتوقف

الجمال يقصدني والحب يهتدي إليّ

الكروم تُجفَّف فاكهتها وعصيرها يخمَّر لي

الهواء مِسْكٌ لأنّه يتنشّقني وفي خلايا جلدي يكتب أغنيته

على وجهي نور، في قلبي نور،

والنبع أبداً يفور

فأسمِعْني صوتك في الصباح الباكر وتعالَ تعال

في عالمي متّسع للالتماعات والإشراقات

إخلع ترّهاتك وتعال

هي ذي الغزارة تغمرني

* هالة نهرا ناقدة موسيقية وفنية وكاتبة وشاعرة من لبنان.    

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق