مجلة الكترونية عربية مستقلة

“ملوك الطوائف – 2”: لماذا يصر “الرحابنة الجدد” على التكرار؟

في أيلول العام 2009، حلّ “ثوار انطلياس” ضيوفاً في جبيل. “الرحابنة الجدد”، غدي ومروان وأسامة، حملوا مسرحية “صيف 840” إلى “مهرجانات بيبلوس الدولية”، بعد عقدين على عرضها في مسرح البيكاديلي في الحمرا في بيروت، ومسرح “كازينو لبنان”، الذي عاد واستضاف المسرحية بنسختها الثاثية في مطلع العام 2010.
يوم أُعيد عرض “صيف 840” بنسختها الثانية، لم يكن قد مضى على رحيل الفنان الكبير منصور الرحباني (1925 – 13 كانون الثاني 2009) سوى بضعة أشهر. وربما كان ذلك كافياً لتفهّم خطوة الجيل الثاني من الفرع المنصوري في العائلة الرحبانية، بإعادة تقديم المسرحية الشهيرة، التي كانت النتاج الأضخم لمنصور الرحباني بعد عامين على رحيل توأمه الفني عاصي الرحباني (4 أيار 1923 – 21 حزيران 1986).
ثمة أسباب أخرى ايضاً فرضت نفسها على تقبّل الجمهور لـ”صيف 840″ بنسختها الثانية، ومن بينها أن كثيرين لم تسمح لهم الظروف بمشاهدة النسخة الأصلية التي عرضت في أواخر الثمانينات، سواء تعلق الأمر بأولئك الذين لم يجدوا الى المسرح سبيلاً، بسبب ظروف الحرب الأهلية، أو بجيل الشباب الذي حفظ معظمه حواراتها واغانيها عن ظهر قلب، سمعياً، أو عبر مشاهدة تسجيلها المصوّر بالتقنيات المحدود التي كانت متوافرة في تلك المرحلة.
كل ما سبق، قد يكون كافياً لإضفاء صفة إستثنائية على “صيف 840” بنسختها الثانية. ولكن يبدو أن “الرحابنة الجدد” قرروا تكريس هذا الاستثناء كقاعدة في احياء الإرث الرحباني، وهو ما دفعهم، ربما، إلى إعادة عرض مسرحية “ملوك الطوائف” لمنصور الرحباني، بنسخة جديدة ضمن مهرجانات أزر تنورين في آب المقبل.
وإذا كانت الأسباب المشار إليها سابقاً كافية لتبرير اعادة عرض “صيف 840” في العامين 2009 و2010، فإن الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة إلى “ملوك الطوائف – 2″، وذلك لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالحيثيات التي يمكن ان تقنع الجمهور بفكرة اعادة العرض، أو في الرسالة السياسية التي تتضمنها المسرحية نفسها.
ولا يمكن فهم لماذا تُستنسخ مسرحية لم يمض على عرضها الأصلي سوى 13 عاماً (ولمدة ثمانية اشهر) – ومن ثم بنسخة معدّلة في العام 2010، حين عُرضت ضمن فعاليات “الدوحة عاصمة للثقافة العربية” (ليلة واحدة) – وخصوصاً أنه تمّ تصويرها بإخراج تفلزيوني عالي الجودة، يجعل مشاهداتها، بكافة تفاصيلها ممكناً سواء لمن شاهدها أو لم لم تسمح له الفرصة بذلك!
ولا يمكن أيضاً فهم لماذا يعاد عرض مسرحية، بكافة اسقاطاتها السياسية، في مرحلة تحوّلات تبدو مختلفة عن تلك التي كانت سائدة يوم عرضت “ملوك الطوائف – 1”.
وللتوضيح، فإن النسخة الأصلية من المسرحية، والتي عُرضت في العام 2003، قد تضمنت حينها إسقاطاً درامياً للوهن العربي الذي انتهى بسقوط الأندلس، على الوهن العربي المعاصر الذي كان من بين أسباب الاحتلال الأميركي للعراق في ذلك العام، وهو اسقاط بدا حينها موفقاً إلى حد كبير، إذا ما وضعنا جانباً بعض المغالطات التاريخية التي تضمنتها المسرحية الاصلية، والانحياز القومي المتمثل بتقديم يوسف بن تاشفين بصورة السفاح، اللهم الا اذا كان المقصود به أبو بكر البغدادي، في النسخة الرحبانية الجديدة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ان “الرحابنة الجدد” وقعوا في المأزق ذاته، حين اعادوا تقديم “صيف 840″، التي كان ممكناً فهم قراءتها السياسية المعاصرة في أواخر الثمانينات، من باب التصويب على “حكم ابراهيم باشا” للإشارة الى رفض الاحتلالات والوصايات الأجنبية على لبنان في أواخر الحرب الأهلية، وهو إسقاط لم يكن موفقاً في النسخة الثانية.
أما على المستوى الفني، فإن النسخة الجديدة من “ملوك الطوائف” تواجه ثغرة كبيرة، تتمثل في اختيار هبة طوجي لأداء دور “اعتماد الرميكية” زوجة ملك اشبيلية المعتمد بن عباد، وهو الدور الذي سبق أن أدّته كارول سماحة في النسخة الأصلية للمسرحية.
ولعلّ تجربة هبة طوجي في المسرح الرحباني المكرر لم تكن موفقة، وهذا ما ظهر، على الأقل، في حلولها مكان هدى حداد في “صيف 840” بنسختها الثانية، سواء في التمثيل أو في الأداء الغنائي.
وخلافاً للنسخة الأولى من “صيف 840″، حين جسّدت هدى شخصية “ميرا” ابنة اليوزباشي عساف الضاهر، متقمصة شخصية فتاة لبنانية تحمل سمات العائلات الارستقراطية العسكرية في جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر – مع ما تتطلبه شخصية كهذه من تحديات على مستوى الحضور المسرحي وأسلوب الكلام – كان واضحاً ان طوجي لم تنجح، في النسخة الثانية من المسرحية، في التخلي عن شخصية ابنة المدينة في القرن الحادي العشرين، فأخفقت في تقمص شخصية الفتاة الجبلية، وهو ما تبدّى بشكل خاص في حركتها على خشبة المسرح، ومخارج حروفها التي جعلت المتلقي يخال أن لقاءات “ميرا” و”سيف البحر” العاطفية كان مسرحها مقهى Café مجاوراً لجامعة القديس يوسف في الأشرفية، وليس عند احد صخور بلدة انطلياس المتنية.
وعلى المستوى الغنائي، فقد بدا واضحاً وجود هوّة شاسعة بين أداء هدى حداد لأغنيات مثل “يا حجر” و”ندهوك” ومقدمة “قبل الضو نهار الحد” و”وحيات اللي راحوا”، وبين أداء طوجي للاغنيات ذاتها، وهو ما ينسحب على الأداء اللحني ومخارج الحروف.

ومع أن أحداً لا ينكر على هبة طوجي امتلاكها قدرات صوتية عالية، حيث يصنّفها النقاد في خانة الـ”سوبرانو كولوراتور”، إلا أن صوتها لا يبدو ملائماً للموسيقى المشرقية، وهو الأمر الذي تنبّه إليه، على ما يبدو، عرّابها الموسيقي أسامة الرحباني، حين لحن لها اغاني اسطوانة “لا بداية ولا نهاية”، التي أتت اغنياتها خالية من ثلاثة أرباع الصوت.
ولعل الهوة بين هبة طوجي وهدى حداد قد تتسع أكثر حين يقارن الجمهور بين الشابة العشرينية، وبين كارول سماحة، على مستوى الأداء المسرحي، الذي كان مصدر قوة سماحة منذ مشاركتها في مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” (من تأليف سعد الله ونّوس واخراج نضال الاشقر – 1996)، والأداء الغنائي، الذي جعل الجمهور يستمتع بأروع المنافسات الغنائية بين سماحة وهدى حداد في مسرحية “آخر أيام سقراط” (منصور الرحباني – 1998)، وتحديداً في أغنية “يا هالسفينة”.
وما يصعّب المهمة امام طوجي هو أنها ستكون مضطرة هذه المرة إلى أداء أغنيات مستوحاة من التراث الأندلسي، وسبق أن أدّتها كارول سماحة بشكل رائع في النسخة الأولى من “ملوك الطوائف”، بكل ما تحويه من تحديات مقامية، على غرار “لعمري لئن قلّت إليك رسائلي”، والتي ستفرض عليها الانتقال من مقام “كرد” الى مقام “العجم”، و”أيها الساقي إليك المشتكى” (“راست”)، و”لمين بدّك تشتكي” (“بيات” – “راست”).. الخ.

مهما يكن الأمر، وسواء نجح “الرحابنة الجدد” في تجاوز المقارنات، وتحسين الأداء الشرقي لنجمتهم الشابة، أم لا، يبقى أن اعادة تكرار مسرحيات منصور الرحباني قد يمثل سقطة خطيرة للإرث الرحباني، وهي السقطة التي تجنّبها احد افراد الجيل الجديد من الرحابنة، زياد الرحباني، الذي جدّد المسيرة الرحبانية بالتمرّد على القديم… لا بل أنّه حين قرر استعادة القديم، افرغ فيه عبقريته في التوزيع الموسيقى، كما فعل في اسطوانة “إلى عاصي”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.