ثقافات

معرض بيروت للكتاب أمام المستلزمات والتحدّيات

معرض بيروت العربي الدولي للكتاب هامٌّ نظراً لمكانه أوّلاً المرتبط تاريخياً بالثقافة والنتاج الثقافي والإبداعي اللذين لا ينفصلان عن مناخ هذه العاصمة وأوكسيجين الحرّية فيها نسبياً… أي أنّ المكانة الثقافية لبيروت وهويّتها وطابعها ومزاجها… تزوّد معرض الكتاب بمكانةٍ ثقافية مميّزة على المستوى العربي. في المقابل، هناك أسئلة محورية جديدة معلّقة اليوم متعلّقة بالمعرض وكيفية تنظيمه، ومدى دعم الكِتاب والكُتّاب ودور النشر حيث تتبدّى علامات استفهام كثيرة في ظل التقصير والتهاون واستمرار الكاتب اللبناني بفضل قدراته الخاصة المادّية (المحدودة) والإبداعية، وتحدّيات الكتاب والنشر الورقي ومستلزمات المرحلة، وهواجس عدّة في ظلّ الانحطاط العام غالباً والأزمات والعولمة والتطوّر التكنولوجي… حول المعرض هذا العام وعموماً، يُبدي أيضاً ههنا عددٌ من المثقّفين والكتّاب آراءَهم لموقع “بوسطجي” في سياقٍ تقييميّ.

الفنّان المسرحيّ والمثقّف والكاتب زياد أبو عبسي يرى أنّ معرضَ الكتاب حدثٌ ثقافيٌّ، وهو ينتظره كل عام. “نذهب إليه – يقول- لنرى جديد الكتب. هناك مجموعة هائلة من المنشورات في المواضيع كافة. نذهب بلهفة لمعاينة المنشورات ونختار ما نبتغي من العناوين بغية اقتنائها.

هذا المعرض يقدّم كتباً كثيرة متنوّعة في عناوينها ومواضيعها. على اعتباري من أصحاب الدخل المحدود أراني أجول في المعرض بين دور النشر، أجمع ما أحتاجه من الكتب التي قد تكفيني لسنةٍ أو أكثر. تشارك في المعرض دور نشر من خارج لبنان، ما يتيح لي ولغيري الاطلاع على منشورات من ثقافات أخرى. أرى في هذا المعرض غنًى للبنان ولعشّاق المعرفة بشكلٍ عام”.

عبر “بوسطجي”، يحيّي الروائي غسان الديري القيّمين على النادي الثقافي العربي الذين يواصلون إحياء هذه التظاهرة الثقافية الأكثر عراقةً بين مختلف التظاهرات التي تعيد للكتاب مجده وللمطالعة دورها… خلال أكثر من ستة عقود كان هذا النادي الزاهر يضفي على العاصمة اللبنانية شيئاً من ألق الثقافة وتجلّيات الفكر، وفقاً لأقوال الديري. وفيما ينوّه بهذا التنوّع الكبير للكتب والمراجع التي يتضمّنها المعرض باللغات الثلاث (العربية، الفرنسية، والإنكليزية) يثمّن الفعاليات التي تواكبه، لا سيما حفلات التوقيع، والندوات، وسواها… بعد انتهاء المعرض العام الماضي – يقول- كانت حيطان المقاهي تلبس وجوه الدهشة خلال حفل جنون النقاش الدائر عن محتويات الكتب وأجمل قصيدة وأروع رواية وأهم مسرحية. بعد عودتي من الغربة ذهبتُ إلى عرس الكلمة في الـ”بيال” – يتابع الديري- علّني أزرع صحارى الحزن التي تركتها الغربة في داخلي بالشعر والرواية، وجدتُ حدائق من الكتب منتشرة في كل أرجاء المكان أسلاكها رفوف من الصبايا والشباب يطالعون عناوين الكتب… ويختم: “وتبقى بيروت، ويبقى لبنان عبر الكتاب، مساحة للفكر الحر، ونافذة على العالم للتواصل الحضاري”، متمنّياً أن يبقى لثقافة الورق الحيّز المناسب في عصر فيه لوسائل التواصل الاجتماعي، بأذرعها المختلفة، الغلبة.

الفنّان والناقد التشكيليّ محمد شرف يرى أن المعرض كعادته كل عام، في بداية فصل الشتاء، يعود كي يُضفي بعض الدفء على المشهد الثقافي في البلد، علماً بأن المشهد يتّصف بالبلادة النسبية، بعدما أسهمت عوامل عدة في تخفيف زخمه ومداه اللذين عرفتهما العاصمة اللبنانية في زمن بعيد، ضمن ظروف مختلفة، حين كان الهمّ الثقافي طاغياً، كما يؤكّد شرف.

على الرغم من أنّ اللجوء إلى الكتاب، على اعتباره “خير جليس في الزمان”، لم يعد كما كان في السابق، فإن الناس ما زالوا يقصدون معرض الكتاب، ويقتنون مؤلّفاً من هنا أو ديوان شعرٍ من هناك، علماً بأن عمليات الشراء الحاصلة قد لا تطاول، دائماً، الكتب ذات الأهمية لناحية موقعها في عوالم الأدب والمعرفة الواسعين. في كل الأحوال – يقول شرف- إن مجرّد حدوث هذا التقليد، المتعلّق بإقامة المعرض، حتى في الظروف التي أشرنا إليها، يُعَدّ أمراً إيجابياً. “إضافةً إلى الحدث عينه، تُقام لقاءات وندوات، وتحدث لقاءات عفوية بين الزائرين، علماً بأنّ بعض هذه اللقاءات تتم في الكافيتيريا!”.

عن المعرض وأهمّيته ودوره، يحدّثنا الناشط الاجتماعي، والمثقّف المولع بالمعرفة، سليم يونس:

“الكتاب هو منتجٌ فكريٌّ، ثقافيٌّ، وحضاري، ليس له تاريخ انتهاء للصلاحية، فالكتب تعيش طويلاً بأعمار تفوق كثيراً أعمار مؤلّفيها ومبدعيها. من هنا تأتي أهمّيّته ككيان قائم بذاته. المتبحّر في عالم الكتب يكتشف عالماً قائماً بذاته، يغوص في اﻷفكار، يحلّل، ويطوّر شخصيّته من خلال قراءاته، ثم يبدأ بمرحلة إنتاج نوع متطوّر من التصرّفات، ومن الكتابة، ومن النظرة الشاملة للأمور.

معرض الكتاب الذي ننتظره بفارغ الصبر وذلك لكي نعود إلى ذاتنا، وإلى شغفنا وإدماننا المزمن، ونحن نمتّع حواسنا بمشاهد الكتب وهي تنتصب على اﻷرفُف أو على اﻷرض شامخةً، متوهّجةً، وتعبق بروائح الحب والفلسفة وعلم النفس والرواية والشعر، وسواها من النكهات المحبّبة إلى نفوسنا… كقرّاء نتّخذ من المعرفة طريقة حياة.

تلك المحطّة السنوية التي يجتمع في إطارها الكثير من المبدعين، والكتّاب والشعراء والروائيين من كل الأجيال ومن كل البلاد، ويتحوّل المكان إلى خليّة نحلٍ لا تهدأ.

المعرض ليس هدفه الوحيد عرض الكتب وبيعها والقيام بحفلات التوقيع، وإنّما يتجاوز ذلك أيضاً ليشمل اﻷمسيات الشعرية والندوات والمناقشات في كل المجالات، وكذلك يشتمل على معارض تشكيلية لفنّانين مميّزين.

هذا ما يعني أنّ معرض الكتاب هو حالة ثقافية متكاملة، ووسيلة فعّالة ﻹيصال الرسائل الثقافية والحضارية واﻹنسانية والفنّية بأسلوبٍ مميّز وفعّال”.

أمّا الشاعرة والكاتبة الإعلامية إنعام الفقيه، فقالت:

“قبل أيّ كلام عن المعرض، سأدعمه بما استطعت من مشاركة وحضور واقتناء كتب، بحسب وقتي وإمكاناتي، على امتداد فترة المعرض… ولكن هذا لا يزيل من نفسي مشاعر الإحباط واليأس التي تدفعني إلى الجلوس في البيت بسبب الحالة الثقافية راهناً، ولا ينفصل ذلك، بل يعكس بشكل جليّ الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تمرّ به البلاد والمنطقة. لا أتوقّع جديداً، ولو على صعيد حلٍّ بسيط لازدحام السير الذي سيرافق حتماً الوصول إلى المعرض، والذي يُفسَّر خطأ على اعتباره إقبالاً كثيفاً على المعرض! هذا إضافةً إلى ما يحاول أن يعكسه المنظّمون من حسن سير حال التنظيم ومحاولة التطوير ومواكبة التطوّر… فانّ ما يشبه الرتابة والروتين المملّ قد بدأا بالفعل… هذه التظاهرة لا تزال تشكّل بصيص الضوء في آخر النفق في تحوّلها إلى حالة ثقافية قادرة على تنمية ما يسمَّى بالوعي المشروط لصوغ أهمّية الثقافة ودورها الأساسي في التحريض على التغيير وبناء الوعي… أهمّية هذه التظاهرة الثقافية تكمن في تكريس قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وتقبّل الآخر ونبذ التطرّف والانكفاء والتقوقع في ثقافة الجار والحي والزقاق والولاء للزعيم وللطائفة.

كل ذلك يزدهر حالياً أمام تراجع دَور الثقافة والقراءة، وصمود الكتاب هام بوجه هجوم رياح التكنولوجيا وعولمة الجهل!”.

من جهته، يشدّد الروائي والموسيقي أحمد دهيني على أهمّية معرض الكتاب حضاريّاً، لا سيما بالنسبة إلى الأجيال الصاعدة، وفي مجابهة الأمّية والجهل والتخلّف والسطحية والابتذال، وفي ظلّ تراجع القراءة بطبيعة الحال. “في مجتمعٍ لا قيمة فيه للفكر والأدب والفنّ والثقافة يعاني المثقّف والمبدع من ضيق الآفاق وانعدام التقدير معنوياً ومادّياً، ما يثبط العزيمة ويضعف الأمل… للأسف الشديد، كل شيء أُفرغ من مضمونه… الأدباء والمفكّرون والفلاسفة والمبدعون هم من صنعوا الحضارة وغيّروا التاريخ”، يقول دهيني. “لذلك فمعارض الكتب في هذا الزمن الصعب واحة في ظلّ التصحّر وبارقة أمل وسط الظلام”.

معرض الكتاب في بيروت شرفةٌ تطل على بانورامية موجودة ومبتدعة معاً، ونافذةٌ مشرّعةٌ على احتمال الذهول ولون ورق الشجر والعشب الغض، وإشراقٌ معرفيٌّ، وسِمةٌ للذات تتوالد، وإعلانٌ متجدّدٌ عن انفتاحٍ على الآخَر والجديد والعالم… ومع ذلك، فإنّه لا يكفي لدعم الثقافة والكِتاب والكُتّاب محلّياً الذين يستحقّون المناصرة والمساندة على المستويات كافة لكي تنتصرَ من خلالهم الكلمة وقيمٌ والتماعاتٌ لا تؤثّر فيها شوائب اختلاطِ الحابل بالنابل ظرفياً في غور مرحلةٍ انتقالية لا تخلو من القلق والتدهور والاضطرابات كما تكتنف ذلك الجمال الآسر واستحقاقه، الذي يبقى قيد التشكّل على الدوام.

 

هالة نهرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق