مجلة الكترونية عربية مستقلة

وحده الجرح أصل الجمال

“وحده الجُرح أصلُ الجمال”، يقول جان جونيه.

جان جونيه، اللقيط والمنبوذ، المهمَّش والمجروح في وجوده، رفضَ البُنى القائمة والقيَم الاجتماعيّة السائدة كلّها، وكانت رغبته العميقة، هو الذي غازلَ الموت، “التّخلُّص من كلّ ما هو إنسانيّ”، وهذا ما يُطالعنا في معظم نتاجه،

من “يوميّات اللصّ” و”الخادمتان” إلى “أربع ساعات في شاتيلا”…

 الأدب الحقيقيّ، في تصويره الواقع، يرفع الواقع عن الحضيض.

قيل لنا إنّ الذي دمّر التمثال الرّخامي في مدينة سطيف الجزائريّة مجنون، لكنّنا لم نصدّق.

إذا كان مجنوناً بالفعل فهذا يعني أنّ معظم الذين وُلدوا في العالم العربي، منذ استقلال الدول العربية حتى اليوم، مجانين.

المُلتَحي الذي انقضّ على التمثال هو نموذج سائد اليوم في الأُمّة العربية التي انتصر فيها الإسلام السياسي بسبب أنظمة حَمَتها الدّول العظمى وفشلت على جميع المستويات. أنظمة لم تولِ أيّ اهتمام بخبز المواطن وتعليمه فكرّست البطالة والجهل وعبّدت الطريق نحو التطرّف.

 هجمَ الملتحي على حارسة عين الفوّارة، وانقضّ، بشكل خاصّ، على الوجه والثديين. هذا الاعتداء غير مُوجَّه فقط ضدّ منحوتة، بل هو أيضاً، وفي الأساس، مُوجَّه ضدّ المرأة لأنه يَصدُر عن ذهنيّة شائعة تُشَيِّئ المرأة وتجرّدها من كيانها الإنسانيّ لتصبح قطعة لحم يأكلها هذا الخارج للتّو من الكهوف المُظلمة، ويمسح لحيته بدمها.

من قال إنّ الموت يأتي بَغتَةً، في لَمحِ البَصَر؟
أقصد الموت الأخير، الأكبر…

أمّا موت الأصدقاء والأحبّة، أليس هو أيضاً موتاً نعيشه كجزء من حياتنا؟

وموت الذين يموتون قَهراً وظُلماً، والذين لا يموتون بل يتحمّلون الفَقدَ والحقد والتّسلُّط والفَجَع والبشاعة والابتذال والمرض والفاقة والذلّ، ويتحمّلون الخوف الذي لم نتعلّم إيّاه.

الحياة مجموعة مَيتات صغيرة.

قد يكون أصحاب الثروات والكنوز، بالإضافة إلى المبشِّرين بالآخرة، هم الذين أشاعوا المثلَ القائل: “القناعة كنز لا يفنى”.

بتعبير آخر: لنا الكنوز ولكم القناعة.

في كتاب “الجنرال في متاهته”، يُوثّق غابرييل غارسيا ماركيز الأيّام الأخيرة لِـ”المُحَرِّر” سيمون بوليفار، وقد وردت في هذا الكتاب العبارة التالية:

“إنّي أعيش قَدَراً ليس قَدَري”.

لكن، هل من قَدَر آخر، للمُصابين بقلق المستقبل بالأخصّ، غير هذا القَدَر؟

هل من مكانٍ بَعدُ غير محكوم بالخوف ويمكن الرُّكون إليه باطمئنان؟

هناك من يتذمّر اليوم من كثرة الكُتّاب وقلّة القرّاء!

معهم حق الذين يتذمّرون، لكنّني أقول في نفسي، أحيانًا، إنّ الكتابةَ طاقة والطاقات التي يبذلها هذا الكاتب أو ذاك لإنتاج كُتُبه وتَرويجها لو بذلها في مجال آخر، كالمجال الحربيّ مثلاً، لكان أفلح، كأيّ ديكتاتور صغير، في تدمير مُدُن بأكملها…

من هذا المنطلَق، لماذا لا تُوَظَّف الطاقات الصّاحية كلّها في وظائف لا تُفضي إلى العنف؟ لماذا لا تكون الكتابة، ومهما كان نوعها ومستواها، مشاعاً للجميع؟

أليس سُوء الكتابة أقلّ خطراً على الشعوب من أهوال الحروب؟

تبقى المشكلة الكبرى في الذين يكتبون ويُحارِبون في آنٍ واحد، والمقصود بهم كُتّاب القَمع، حرّاس هيكل الاستبداد…

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في فيسبوك.

Leave A Reply

Your email address will not be published.