ثقافة

“مولانا”… “قنبلة” ابراهيم عيسى ممنوعة في لبنان!

تجاوز الجدل الحاد الذي أثاره فيلم “مولانا” الحلبة الداخلية المصرية، فالعمل السينمائي بات تحت رحمة “الرقابة” في لبنان، بعد اعتراض دار الفتوى اللبنانية على عرضه في الصالات، بوصفه “مثيراً للفتنة الطائفية”!

حتى الآن، ليس واضحاً بعد، ما إذا كان قرار المنع في لبنان نهائياً، بحسب ما صرّح مخرج الفيلم مجدي أحمد علي، علماً بأن العمل السينمائي مُنع من العرض في السعودية والكويت.

في الواقع، لا يمكن فهم أسباب المنع في لبنان تحديداً، أو حتى ما تردد عن احتمال تمرير الفيلم بشرط “قص” بعض المشاهد “المثيرة للفتنة”، خصوصاً أن العمل السينمائي، كما رواية ابراهيم عيسى المقتبس منها (“مولانا” – 2012)، يأتي ليُسقط التعميم السائد عن التشدد الديني في الإسلام، بتقديمه شخصية شيخ أزهري عصري، يتحدث بخطاب مفهوم للعامة، ولا تخلو تعليقاته من المزاح الخفيف، في كسر للصورة النمطية لرجل الدين المتزمّت، العابس، والمصر على مخاطبة المؤمنين بتعقيدات الشريعة والفقه.

ومن غير المعروف كذلك، ما هي المقاطع التي يمكن أن يستهدفها “مقص” الرقابة اللبنانية، في حال اتخذت حلاً وسطاً يفضي إلى السماح بعرض الفيلم، لا سيما أن زحمة المشاهد في العمل السينمائي، تجعل المرء محتاراً في ما قد تجده الجهات الرقابية  – المدنية والدينية – شواذاً.

السؤال الذي يطرح نفسه في المنع اللبناني، هو كيف أمكن لفيلم “مولانا” أن يتجاوز “الرقيب” المصري دونما حذف، برغم اعتراض بعض مشايخ الأزهر – والسلفيين طبعاً – ليس على بعض المشاهد فحسب، وإنما على العمل بكامله.

بطبيعة الحال، فإن الإطار العام للعمل السينمائي يثير غضب الكثيرين، ممن عرّاهم “الشيخ حاتم”، الشخصية التي تدور حولها أحداث “مولانا”، سواء رجال الدين “المعتدلين”، ممن تحوّلوا إلى “خدّامين” في بلاط السلطان، أو اولئك “المتطرفين”، الذين يستعيذون بالله، عزّ وجلّ، إذا ما أتى أحد على ذكر “المعتزلة”، فكيف بعمل سينمائي يروّج لهذا المنهج؟!

ربما ما أثار الغضب الكبير، هو ما كشف عنه “مولانا” من علاقة نفعية بين بعض رجال الدين، وبين “الرجل الكبير” المسخّرة لخدمته، ولأسرته، كل أجهزة الأمن، والعاطفة الخادعة التي يبديها بعض معتمري العمائم تجاه “مصائب” الأقباط، على سبيل المثال، في مواسم التفجيرات الإرهابية التي تضرب الكنائس، أو العنف التكفيري، الذي يمارسه بعض اتباع “السلفية” بحق مريدي الطوائف الأخرى، بما في ذلك الإسلامية نفسها، كالشيعة على سبيل المثال.

ولا شك في أن الهجوم العابر للحدود على فيلم “مولانا” يعود إلى تشابك مشاهده مع الكثير من القضايا الحساسة في مجتمع يعلو فيه صوت التشدد على الاعتدال، وتعشش فيه نزعات التكفير على التسامح، لا سيما أنه اخترق عالم الدعاة، وكشف عن أنواعهم، بين الأمن والتلفزيون.

الغريب في الأمر، أن الهجوم على “مولانا” لا يقتصر اليوم على السلفيين، المعروفين بمعاداتهم للفن والإبداع – ولا سيما السينما – فقد انخرط فيه رجال دين أزهريون، لأسباب مختلفة، حتى وصل الأمر إلى حد الاعتراض المباشر من قبل دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية.

وأما الكارثة الكبرى، فهي أن الفيلم المثير للجدل قد نال موافقة الرقابة في مصر، حيث تجري أحداثه، من دون حذف أية مشاهد – كما صرّح بذلك صنّاعه – في حين مصيره مهدد بالمنع في لبنان، البلد الذي طالما نظر إليه باعتباه واحة الحرية والابداع، في الصحراء العربية القاحلة.

 

قصة الفيلم

على طريقة “عمارة يعقوبيان”، المستوحات بدورها من رواية بالإسم ذاته للكاتب علاء الأسواني، يتناول “مولانا”، بعضاً من تفاصيل العلاقات المعقدة بين الدين والمال والسطة، وهو المثلّث الذي يحمّله ابراهيم عيسى مسؤولة “كل الانحطاط الفكري والسياسي والاجتماعي”.

يرصد “مولانا” رحلة صعود حاتم الشناوي (عمرو سعد)، من شيخ أزهري شاب يخدم في أحد المساجد الحكومية، إلى “النجومية” بعدما تحوّل إلى داعية تلفزيوني شهير، يملك حق الفتوى، التي يتلقاها الملايين بالإعجاب، لامتلاكه اسلوب خطابي بسيط وساحر في آن معاً، وقدرة على منازلة الآراء الدينية المتشددة، انطلاقاً من خلفيته المستندة إلى منهج “المعتزلة”.

يتزوّج “حاتم الشناوي” من “أميمة” (درّة)، وينجبان طفلاً يدعى “عمر”، لكن الحياة الهنيئة، تحت أضواء النجومية، تتحوّل فجأة إلى كابوس للعائلة الصغيرة، بعد دخول الإبن في غيبوبة، إثر غرقه في حمام السباحة.

هنا تبدأ معاناة “الشيخ حاتم”، الذي يجد نفسه رجلاً شبه مستسلم لأزمة نفسية بسبب فقده الجزئي لطفل تأخر  انجابه سبعة أعوام، وانتهى به الأمر طفلاً فاقداً للوعي، ويجري علاجه في أحد المستشفيات خارج مصر، وهو ما ينعكس فتوراً في علاقته الزوجية، التي تكتسي الكآبة والتشنج، لا بل تصل إلى حد انعدام الثقة، حين تخبئ “أميمة” عن زوجها، أمر افتتاحها محلاً للألبسة “الشرعية”.

يحاول الشيخ حاتم تجاوز أزمته الشخصية، عبر التركيز على عمله، كداعية تلفزيوني، لتتعاظم شعبيته، يوماً بعد يوم، بخطاب ديني معتدل، يتجنّب فيه تجاوز الخطوط الحمراء، من قبيل الحديث عن الصحابة أو التطرق إلى العلاقة الشائكة بين “المعتزلة” و”أهل السلف الصالح”، وهي القضية الحساسة التي تجعل مدير القناة التلفزيونية ينتفض غضباً، حين تتسلل فتاة إلى الاستوديو، طارحة على الشيخ/النجم سؤالاً عن رفضه الالتزام الصارم بـ”السنّة النبوية”.

غير أن مشاكل الشيخ حاتم لا تقف عند الجانب العائلي، ولا تقتصر على بعض القضايا الدينية الحساسة، فشهرته جعلته محط أنظار  عائلة “الرجل الكبير”، وبالتحديد ابن رئيس الجمهورية “جلال” – في إيحاء واضح إلى جمال الإبن النافذ للرئيس المخلوع حسني مبارك -الذي يستنجد بالشيخ الكاريزمي، لاحتواء “كارثة” بدأت تحل على العائلة الحاكمة، وتتمثل في اعتناق “حسن” (أحمد مجدي)، شقيق زوجته، للديانة المسيحية، وتبديله اسمه إلى “بطرس”.

الحوار مع حسن او بطرس كان معضلة صعبة بالنسبة إلى الشيخ حاتم، فهو ليس أمام مجرّد شخص لديه “نزوة” دينية، وانما أمام شاب مثقف يتجه إلى المسيحية عن قناعة راسخة،  وهو ما يتبدّى في الكثير من الحوارات الحامية الوطيس بين الرجلين:

– انت لو رحت لقسيس عادي يعني، وقلت له أنا عايز اتنصر، هيرحّب بيك ويباركك، إنّما لو قلت له أنت ابن مين، وأبوك يبقى مين في الدولة، هيكلمك على عظمة الإسلام وكإنه شيخ الأزهر!

– صح، لكن ده من كتر الظلم والاضطهاد، مش عارفين يعبّروا عن افكارهم ومشاعرهم الحقيقية.

– إسمع يا بيه يا اهبل انت، البلد عندنا مقسومة اغنياء وفقراء، فسدة وشرفاء، مش مسلمين واقباط، لكن النظام اللي عندك في البيت عايزنا كده: المسلم بيتعامل مع المسيحي على أنه كافر ولازم يسلم، والمسيحي شايف المسلم كافر وظالم وعنصري.

– بس دي سياسة مش دين.

– شوف ياد يا ابو علي، المسيحية أول ما خرجت من بيت لحم بقت سياسة. والإسلام، بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام بقى سياسة.

– أنا مش مقنع!

– انشالله ما عنّك اقنعت (بغضب)!

في سياق محاولة اقناع حسن/بطرس بالعدول عن نزعته، تبرز تعقيدات جديدة امام الشيخ حاتم، منها ما يمتّ بموقفه من بعض الفتاوى الشاذة الصادرة عن شيوخ ازهريين، من قبيل “فتوى إرضاع الكبير”، التي أطلقها وكيل وزارة الأوقاف “الشيخ فتحي” (أحمد راتب)، ومنها ما يتناول التواطؤ الفاضح لرجل الأعمال “خالد أبو حديد” (لطفي لبيب) مع رجال الدين والأمن لقمع عماله المضربين، وصولاً إلى حملات التنصير في المجتمع المصري (مشهد المجموعة السرية التي ينتمي إليها حسن/بطرس) وحملات الأسلمة المضادة (تزويج مسيحية لمسلم في أحد الأرياف وتصوير الأمر باعتباره “نصر” للإسلام).

الأخطر في السيناريو، أن تلك التعقيدات تصل إلى مستوى قضايا متصلة بالعلاقة بين السلفية والصوفية، لا سيما في استحضار  الشيخ أبو العزايم، شيخ الطريقة “العزمية”، عبر شخصية “الشيخ مختار الحسيني” (رمزي العدل) الذي يتعرّض لهجوم مستمر من قبل السلفيين، على خلفية مزاعم بشأن علاقته بإيران، لا بل أن السيناريو يذهب أبعد من ذلك، حين يتخذ من شخصية “الشيخ مختار”، مدخلاً للحديث عن واقعة الشيخ حسن شحاته، رجل الشيعي الذي مثل السلفيون بجثته.

هنا يفتح “مولانا” الباب على مصراعيه للحديث عن الصراع السني الشيعي، وذلك حين يحاول مذيع القناة، المرتبط بأجهزة الأمن (بيومي فؤاد)، إيقاع الشيخ حاتم في الفخ:

– سؤالي لفضيلتك: هل الشيعة مسلمون؟

– طيب… حافظ حديث اركان الإسلام الخمسة أو ساقط ابتدائية زي ما قالوا لي؟

– لا، اخدت الابتدائية يا مولانا، بني الإسلام على خمسة.

– الله يفتح عليك! طيب نراجعهم بقى مع بعض يا حبيبي: شهادة ألا اله إلا الله وان محمد رسول الله، الصلاة، الزكاة، صوم رمضان، الحج لبيته لمن استطاع إليه سبيلاً… وطبعاً انت بقى تستطيع إليه سبيلاً كل سنة مع بعثة وزارة الداخلية… بتتكلم عن البدع يا أخ انور؟ طب ايه رأيك إن الإمام ابن تيمية، اللي انا باختلف مع الكثير من افكاره بيقول ايه؟ ان التكفير هو أول بدعة في الإسلام.

– الله؟ هو انت بتدافع عن الشيعة وللا ايه يا مولانا؟!

– هوّ انت بتهاجمهم. انت سألت وانا جاوبت دفاعاً عن الحق… الاسلام ما فيهوش سنة وشيعة. الإسلام فيه الإسلام. نقطة! ده صراع سياسي والكل عارف تاريخه. تحب احكي لك التاريخ من اوله؟

– احب طبعاً، إنما بعد الفاصل….

عمرو سعد وبيومي فؤاد في مشهد من فيلم “مولانا”

كل تلك الآراء، تدفع بالعلاقة بين الشيخ حاتم ومباحث أمن الدولة إلى أقصى درجات التوتر، ويصل الأمر إلى حد الاعتقال المؤقت، ومحاولة تفجير فضيحة “اخلاقية” في وجهه، من خلال فبركة صور حميمية تجمعه بالطالبة الجامعية “نشوى” (ريهام حجاج)، التي تدعي أنها من مريديه الشريعة، لكنها تعمل في الواقع في خدمة أجهزة الأمن.

يفضح “مولانا” العلاقة المريبة بين جهاز أمن الدولة والسلفيين. قضية “الشيخ مختار” ليست مجرّد نتاج لتحريض المتشددين من التيار السلفي، وإنما في كون أحد مريديه، وهو زميل “جلال” في الدراسة، قد اكتشف حقيقة إصابة “الرجل الذي يتم تجهيزه للمنصب الكبير” بنوبات من المصرع، فيخبر شيخه بالأمر. هنا تتقاطع المصالح بين السلفيين والأمن، فيعكسها حوار حاد بين الشيخ حاتم والمسؤول الكبير في جهاز  أمن الدولة:

– الشيخ مختار فين؟

– طب اهدا بس يا مولانا. ده احنا عاوزين نفتح معاكصفحة جديدة يا راجل. الفرصة ادامك تبقى الشيخ نمرة واحد في مصر كلها. عرفتنا وعرفناك، ايه اللي يمنع ان احنا ننسق مع بعض لمصلحة الدولة والدين؟

– الشيخ مختار فين؟!

– مش عندنا… ومشكلته مش معانا. انت تعرف كويّس قوي ان مشكلته مع المتشددين والسلفيين والرأي العام، واللحظة اللي احنا فينا دي، بتفرض علينا يا مولانا نكون ايد واحدة. فاهمني؟

– ومين اللي عمل كل دول يا باشا؟ مين خدهم على حجره وكبّرهم وادّاهم كل جوامع مصر؟

– مش احنا!! احنا كنا مسيطرين قوي. صاحبك هوّ اللي فضّل يكون لوحده، وهوّ بغباوته يتحمّل نتيجة كل اللي حصلته. البني آدم الذكي يا مولانا يعرف مصلحته فين ويدوّر عليها ويخاف على روحه قوي… علشان ساعة الجد نقدر نحميه.

– الخوف ما يمنعش الموت. الخوف بيمنع الحياة…

ذروة الأحداث الدراماتيكية في “مولانا” تتبدى في القسم الأخير من الفيلم، والتي تحاكي جريمة تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية (ليلة رأس السنة 2010- 2011)، حيث تتضح مسؤولية حسن/بطرس في ارتكاب العمل الإرهابي، بينما تحاول الدولة المصرية، كعادتها، احتواء التوتر الطائفي الناتج عن الحادثة الإرهابية، بطريقة سطحية – تعيد الى الاذهان مشهد الوحدة الوطنية الكوميدي “يحيا الهلال مع الصليب” في فيلم حسن ومرقص – حين ترسل وفداً من كبار العلماء إلى الكنيسة للتضامن.

في الكنيسة، يطرح الشيخ حاتم مسألة العنف الطائفي من زاويتين.

الأولى، خلال حديثه مع “الأنبا باخوم”:

“حسن لما قالّكم انو انتصّر كان متطرّف موتور، مش صاحب عقيدة، والمتطرّف ممكن يروح الناحية الثانية بلحظة. انما انا مش ممكن اصدّق إن شاب زي حسن مسؤول لوحده عن الخطة الجهنمية دي. كلّنا مسؤولين يا ابونا مسلمين ومسيحيين!”.

والثانية، على منبر الكنيسة:

“علشان يكون فيه سلطة، لازم يكون فيه عبيد. وعلشان يبقى فيه أمان لازم يتزع الخوف. وعلشان يكون فيه حل لازم يكون فيه مشكلة ومصيبة. الشرايين اتسدت والدم اللي فيها تجلّط بأفكار فاسدة وعقيمة ملت قلوب الشباب. واحنا كل دورنا نستنى المصيبة اللي جاية. تعذيب حرق سحل قتل، قهر. مين فينا قلبه موجوع بجد؟ ومين جاي يعزّي؟!

قراءة نقدية

الملفت في “مولانا”، أن الفيلم يكاد يتضمن كل أفكار ابراهيم عيسى بشأن مثلث المال والدين والسلطة، شأن الرواية التي اقبتس منها الفيلم، التي تقع أكثر من 500 صفحة، حاول كاتب السيناريو حصرها كلها في ساعتين، وهو ما يمكن أن يسجل سلباً من الناحية السينمائية، فانعكس ذلك غياباً للجمل الحوارية والمشاهد التي يمكن أن تعلق في ذهن المشاهد، بشكل عام، حتى أن التفاصيل الصغيرة، التي ميّزت أفلام مجدي أحمد علي السابقة (عصافير النيل، خلطة فوزية)، بدت غائبة في العمل السينمائي الأخير.

زحمة أفكار ابراهيم عيسى تلك، جعلت الجمهور أمام سيل عشوائي من المشاهد المفتقدة الى الترابط المنطقي: الانتقال المفاجئ للشيخ حاتم من الإمامة في مسجد حكومي إلى النجومية التلفزيونية، السرعة القياسية في تجاوز أزمته العائلية، التنقل بين موضوع “السنة النبوية” و”السلف الصالح” إلى العلاقة المريبة بين رأس المال والدين، الدخول المفاجئ لابن الرئيس وشقيق زوجته المتنصر، ثم إقحام مشهد تزويج الفتاة المسيحية في السيناريو، ثم التحوّل السريع في العلاقة بين الشيخ الثائر على “أمن الدولة” بعد اعتقال معلمه إلى أحد الدعاة المكلفين من الجهاز الامني نفسه لتهدئة غضب الأقباط بعد حادثة تفجير الكنيسة، والتي افتقدت مشاهدها الى الترابط بين ما قبل وما بعد… الخ

ولعلّ ارتباك السيناريو امام القصة وتفاصيلها، قد جعل المخرج مرغماً على تركيز المشاهد على شخصية بعينها، أي الشيخ حاتم، ما جعل باقي الشخصيات في الفيلم ذات مساحات محدودة للغاية، ما ضيّق هامش المناورة لدى الممثلين الآخرين للاجتهاد في أدوارهم، بما يشمل الشخصيات التي لها دور مهم كريهام حجاج  واحمد حجاج.

على هذا الأساس أتت أدوار الشخصيات باهتة للغاية، وفي هذا السياق، يمكن القول إن درّة كانت أول المتضررين من ذلك، يليها احمد راتب، ولطفي لبيب، وفتحي عبد الوهاب، الذين لم يستطيعوا تقديم شخصيات تختلف عن تلك التي عرفهم بها الجمهور في أكثر من فيلم.

في المقابل، فإن عمرو سعد بدا المستفيد الأول من السيناريو، بعدما جعله السيناريو محور كل المشاهد، والذي اجتهد في الشخصية إلى أبعد حدود، وابدع في الكثير من المواقف، لا سيما في الانسيابية المرنة بين المواقف الكوميدية والجدّية، بالرغم من أن أداءه في بعض الادوار بدا تقليداً لشخصيات أخرى، وهو ما تبدّى خصوصاً في المواقف الكوميدية المستنسخة من “افيهات” ابراهيم عيسى في برامجه التلفزيونية، واستحضاره في مشهد الخطاب الأخير في الكنيسة المرافعة الشهيرة لأحمد زكي في فيلم “ضد الحكومة”.

أما على المستوى التقني، يسجّل لصالح الفيلم الجودة العالية في الصورة، وحسن اختيار أماكن التصوير، والاستعانة بحشد بشري لإضفاء واقعية على بعض المشاهد (صلاة الجمعة، الاستوديو، الكنيسة، حلقة الذكر الصوفية)، لكنه بدا مفتقداً إلى الابداع في اختيار  زوايا الكادرات (اقتصر على المتوسطة أو القريبة جداً)، وضعف التوظيف المناسب لحركة الكاميرا، والـ”فوكوس” وتنويع الزوايا.

تبقى نقطة جوهرية ينبغي التنويه بها في الفيلم، وهي الموسيقى التصويرية (عادل حقي)، التي أحسن المخرج استخدامها لتُضفي طابعاً خاصاً على الفيلم، وخصوصاً في تداخلها مع أداء عمرو سعد.

بصرف النظر عن كل التفاصيل النقدية، يبقى “مولانا” تجربة سينمائية مميزة، وتستحق المشاهدة، لا سيما في ما يتضمنه من جرأة يفتقدها عالمنا العربي في زمن التكفير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق