غير مصنف

حظر الأجهزة الالكترونية على متن الطائرات: أسباب أمنية.. ام حرب تجارية؟

ابتداءاً من يوم الثلاثاء 21 آذار/مارس، بات لزاماً على مطارات عشر دول ذات غالبية مسلمة، تنفيذ قرار  أميركي، بمنع المسافرين من حمل الأجهزة الالكترونية، بما في ذلك الحواسيب المحمولة والكمبيوترات اللوحية (أي باد) وغيرها من أجهزة الاتصال التي تتجاوز في حجمها الهاتف المحمول، على متن الرحلات الجوية.

إذا كنت مسافراً من مصر، الأردن، الكويت، المغرب، قطر، السعودية، تركيا، أو الإمارات، على متن إحدى رحلات “مصر للطيران”، “الاتحاد”، “الكويتية”، “القطرية”، “الملكية المغربية”، “الملكية الأردنية”، “الملكية السعودية”، أو “الخطوط الجوية التركية”، فلن يكون باستطاعتك استخدام هذا النوع من الأجهزة خلال رحلتك الطويلة إلى الولايات المتحدة.

ولكن، لماذا اتخذت الولايات المتحدة هذا القرار؟

بحسب الإدارة الأميركية، فإن تلك الإجراءات مردّها إلى تقارير استخباراتية تفيد بأن الإرهابيين يواصلون التخطيط لاستهداف رحلات جوية إلى الولايات المتحدة.

وحسبما نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مصدر متابع للقضية، فإن المسؤولين الأميركيين تلقوا تحذيرات أمنية من احتمال قيام “جماعات إرهابية سورية” بمحاولة تصنيع عبوات ناسفة داخل الأجهزة الالكترونية، وذلك بطريقة عصية على الاكتشاف.

ومع ذلك، يشير دميتري سيفاستوبولو وروبرت رايت، من صحيفة “فايننشال تايمز”، إلى أن المراقبين غير الأميركيين يتعاملون مع هذا التفسير بكثير من الشك، لا سيما أن الإجراءات لم تقترن بتوضيحات حول ما إذا كان القرار الأميركي مبنياً على مخاوف أمنية حديثة أم مخاوف عامة.

وعلاوة على ذلك، فإن القرار الأميركي لا يكشف ما المخاطر التي تترتب على وجود أجهزة كهربائية في الأماكن المخصصة للمسافرين، وعدم وجود مخاوف بشأن تهريبها داخل حقائب الشحن.

يقدم الخبير في مجال أمن الطيران جيفري برايس، وهو استاذ في جامعة “متروبوليتان ستايت” في دنفر، تفسيراً لذلك، في مقابلة مع صحيفة “يو اس اي توداي”، بالقول إن الحقائب المشحونة تشكّل خطراً أقل في الجو لأن القنبلة المخبّأة في الأمتعة تحتاج إلى جهاز متطور لضبط الوقت، وقد تنفجر القنبلة الموضوعة في الأمتعة قبل الأوان – عندما تكون الطائرة لا تزال على الأرض – في حال تأخّرت الرحلة أو في حال تسبُّب حامل الحقيبة بانفجار القنبلة أو تعطيلها عن غير قصد منه، بسبب الخشونة في التعاطي مع الحقيبة”. ويضيف “صحيح أنه بإمكان عبوة ناسفة موضوعة في حقيبة مشحونة، أن تتسبّب بإسقاط الطائرة، إلا أن إمكانية تفجيرها تتراجع لأن القنبلة مجهّزة بمنظومة لضبط الوقت أو زناد للضغط البارومتري – وكلاهما يضفيان مزيداً من التعقيد على العبوةالناسفة – أما عندما تكون القنبلة بحوزة المفجّر، ويقوم هذا الأخير بتفجيرها بنفسه، فيصبح هامش الخطأ أقل”.

ولكن ثمة من يعتقد أن للقرار الأميركي الأخير تفسيرات أخرى.

“قد لا يكون السبب أمنياً”، تقول “واشنطن بوست”، منطلقة في تخميناتها، من واقع أن ثلاث شركات طيران مستهدفة بالإجراءات الجديدة، وهي “الإماراتية” و”الاتحاد” و”القطرية”، لطالما اتهمت من قِبل منافسيها في الولايات المتحدة بتلقي مساعدات حكومية.

هذه الشركات نفسها، سبق أن أبدت بصمت، خلال الأشهر الماضية، قلقاً من احتمالات التصعيد من جانب دونالد ترامب… وربما تكون الإجراءات “الأمنية” الأخيرة بداية لهذا التصعيد!

ومن شبه المؤكد أن الشركات الثلاث المذكورة، إلى جانب شركات طيران أخرى مستهدفة بالقرار الأميركي، ستخسر شريحة كبيرة من زبائنها، لا سيما ركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، فاولئك المسافرين غالباً ما يكونون راغبين في مزاولة أعمالهم على متن الطائرة. ولعل السبب الأساس في دفعهم أثمان مرتفعة لتذاكر السفر، هو رغبتهم في العمل على مقاعد مريحة. ومن المؤكد أن كثيراً منهم سيفضّل السفر ، في هذه الحالة، على متن طائرات تابعة لشركات طيران أخرى، سواء أميركية أو أوروبية.

وبحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن القرار الأميركي لا يؤثر فقط على الرحلات المباشرة من الولايات المتحدة وإليها، ولكنه يطال أيضاً مطارات العبور “ترانزيت”. فشركات الطيران المستهدفة بالإجراءات الأخيرة لا يقتصر نشاطها على الرحلات المباشرة بين الخليج والولايات المتحدة، بل تقل أشخاصاً إلى وجهات سفر مختلفة.

وتشير “واشنطن بوست” إلى “اننا نعيش في عالم متداخل، حيث الشبكات العالمية قادرة على العمل بحرّية بين البلدان، بما يترتب على ذلك فوائد هائلة من جهة، وفوارق كبرى في النفوذ من جهة ثانية… وفي الوقت الذي نشهد فيه نمواً لتلك الشبكات، فإنّها تتجه أكثر نحو  التركيز  في عدد قليل من المواقع الرئيسية، ما يخلق فرصا هائلة للدول والهيئات التنظيمية، والجهات الفاعلة غير الحكومية، التي تتمتع بالنفوذ والتأثير على تلك المواقع”.

وفي هذا السياق، فإن الولايات المتحدة ربما تسعى للاستفادة بشكل معقول من سيطرتها على إمكانية الوصول إلى مطارات الولايات المتحدة، وهي “عقد” مركزية في الشبكة العالمية للسفر الجوي بين وجهات مختلفة، بغرض التصويب على نقاط الضعف الرئيسية للجهات الفاعلة الأخرى المتصلة بشبكة الطيران، من خلال الذهاب إلى العقد المركزية في شبكاتها (المطارات الرئيسية) وربما إلحاق ضرر بالغ بها.

والجدير بالذكر أن شركات الطيران الخليجية سعت في السابق للدفاع عن نفسها ضد الهجمات السياسية من المنافسين الأميركيين عبر التحجج بمبادئ التجارة الحرة. وتكمن الإشكالية هنا في أن اتفاقات التجارة الحرة  – بما في ذلك مبادئ منظمة التجارة العالمية – لا تنطبق على شركات الطيران (بالرغم من أنها تنطبق على القطاعات ذات الصلة، مثل صناعة الطائرات). وقد سمح ذلك لشركات الطيران الخليجية بتلقي إعانات حكومية ضخمة، من دون القلق كثيراً بشأن احتمالات مقاضاتها في منظمة التجارة العالمية.

ولكن ذلك يمثل في الواقع، سلاحاً ذا حدين، بالنسبة إلى شركات الطيران المتضررة، وتحديداً الخليجية منها، إذ سيكون من الصعب أن ترفع دعاوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد القواعد الأميركية الجديدة، حتى لو تبين أن هذه القواعد قد جاءت بدافع الحمائية والرغبة في الانتقام.

الأهم من ذلك أن سيناريو كهذا لو جرى تطبيقه لاحقاً في قطاع مختلف، سنكون أمام حالات مثيرة للاهتمام جداً، إذ ستصبح الحكومات قادرة على فرض إجراءات تحد قواعد التجارة الدولية عندما تشعر بأن أمنها معرض للخطر. انطلاقاً من ذلك، فإن إدارة دونالد ترامب ربما تعمد إلى وضع قواعد أحادية الجانب على المستوى التجاري، تحت ذريعة حماية الأمن القومي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق