آراء وترجمات

… وليصدح صوت أم كلثوم!

وقع نظري اليوم على صورة فوتوغرافيّة لمسرح الأزبكيّة في القاهرة أثناء إحدى حفلات أمّ كلثوم يوم كانت السيّدة تَصدَح، ولا صوتَ أعلى من صوتها:

“أنام وأصحى على شفايفك”…

يومها كان الأزهر لا يزال نائماً في بُطُون كتُبه القديمة، ولا تزال نائمة معه، في المَقلَب الآخر من القارّة العربيّة، تلك الهيئة الفريدة من نوعها في العالم والتي تُسمَّى “هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر”…
في الصورة، بدا الحضور مأخوذاً بما يتناهى إلى سمعه، مُنفعلاً بكلّ رعشة

وكلّ اختلاجة لذاك الصوت الرَّخيم.

بدَت النساء، بجانب الرِّجال، وكأنهنّ نساءُ مجتمع آخر غير الذي نعرفه اليوم، وهذا أكثر ما لفتَني… نعم، لا توجد في الصورة امرأة واحدة مُحجَّبة!

بين ذاك الماضي القريب والحاضر الراهن لا يَرتسم ما آل إليه الوضع الاجتماعي للمرأة العربيّة فقط، بل ما آل إليه العالم العربي بشكل عامّ، طالما أنّ وضع المرأة، في أيّ مجتمع كان، هو المرآة التي تعكس تَقدُّم المجتمع أو تَخلّفه…
“قُول للزمان إرجَع يا زمان”…
في الالتفات إلى بعض ملامح الماضي، هناك أيضاً بعض العزاء.

التقيتُ أمس المستعرب والمترجم الفرنسي فيليب فيغرو الذي نقل إلى الفرنسية كتابي “مدينة في السماء”، كما ترجم الكثير من الكتب العربيّة لعدد من الكتّاب ومنهم نجيب محفوظ وابراهيم الكوني ونجوى بركات ويوسف فاضل.

كنا قبالة تمثالLe faune dansant  الذي يحرس مدخل حديقة اللوكسمبور عندما أطلعَني على إحدى الرسائل التي وصلته عام ١٩٨٩ من صاحب الثلاثيّة، وكم بدا فيها هذا الأخير يشبه نفسه، وكما كان دائماً، صادقاً، طيِّباً، رقيقاً، مُحبّاً، بسيطاً ومتواضعاً…

في الالتفات إلى الجانب الإنساني في شخصيّة نجيب محفوظ، في زماننا الراهن بالأخصّ، هناك أيضاً بعضُ العزاء.

غصنُ الشجرة يغتذي مباشرةً من نور الشمس، أما البشر فيعملون ويتقاتلون من أجل كسرَةِ خبز!

لم يعد من الممكن تطبيق القياس العادي على الشهادة:
شهادة الذين يَطلبون الشهادة، وشهادة الذين يُستَشهَدون، أي يُساقون قَسراً إلى الموت.
وها نحن نَمسَخ معنى الموت بعد أن مسخنا معنى الحياة نفسها.
مجتمعات بأكملها يُهدَر دمُها، حينَ يُهدَر دمُ إنسان بهذه اللامبالاة وبهذا الرُّخص.

“المَسّ بشرف الأمّة وكرامتها”، “الإساءة إلى الذات الإلهيّة”، “غسل العار”، وغيرها من المسمّيات والتُّهَم الرائجة في العالم العربي، هي مرادف للعنف وتبرير لممارسته.
وهي أيضاً انعكاس لنَهج واحد: لا تفكّر ولا تُعَبِّر، لا تنتقد ولا تعترض، لا تُبدِع ولا تتقدّم ولا تسعى إلى أن تكون كائناً قائماً بذاته…
فقط، فقط،

كن عبداً تسلم!

هل من شيء في العالم العربي لا يحتاج إلى إعادة نظر: التعاطي مع السياسة والدين والقوانين والثقافة والتعليم والمرأة واللغة… وبدايةً، مع الزمن الذي توقّفت عقاربه منذ مئات السنين؟
نفتح “المنجد الأبجدي” المطبوع الآن، في القرن الحادي والعشرين، على نموذَجين اثنين:
عَمَرٌ: “المنديل الذي تُغَطّي به كلُّ امرأةٍ حُرّة رأسَها”.
طَمَحَ: “طَمَحَت الدّابّة: جمحَت. طَمَحَتِ المرأةُ على زوجها…”.
الاحتلال لا يأتي فقط من الخارج…

ننحاز إلى الماضي، إلى ماضي الماضي، الماضي المحنَّط والمنغلق على نفسه كالقبر.
نضع كلّ شيء في قِماط: المرأة، النبتة، اللغة، الفكر… نُخوِّن ونُكَفِّر كلّ من يستنشق الهواء ويرفع رأسه للشمس.
نُعادي نورَ الشمس والعالم!

في كتاب “مستقبل وَهْم” لسيغموند فرويد، وردت العبارة التالية: “عندما يتخلّص الإنسان من وعود الماوراء، ويركّز على الحياة الدنيا مستعيناً بقواه المحرَّرة كلّها، يصير بالإمكان جعل الحياة محتمَلة للجميع، بعيداً عن القهر والظلم. عندئذ يستطيع القول: “السماء، نتركها فقط للملائكة والعصافير”…

عيسى مخلوف           

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق